ترك برس
في عالم يشهد تكرار انتصارات عسكرية سريعة لا تتحول إلى استقرار سياسي دائم، يطرح الكاتب التركي بارتو إكين، في تحليله المنشور في موقع "خبر7"، قراءة نقدية عميقة لطبيعة الحروب المعاصرة ومآزقها. ويسلط الضوء على الفجوة المتزايدة بين التفوق الميداني والنتائج السياسية المستدامة، مستنداً إلى تجارب أفغانستان والعراق وغزة، ومذكراً بأن فهم دوافع الصراع قد يكون أهم من تدمير الجيوش والعواصم.
يشير إكين إلى أن سقوط كابل استغرق أسابيع قليلة، بينما امتدت المغامرة الأمريكية في أفغانستان عشرين عاماً. وعندما غادر آخر الجنود الأمريكيين البلاد، كان طالبان الذي أُطيح به عام 2001 قد عاد إلى الحكم مجدداً. ويظهر تناقض مشابه في العراق: سقطت بغداد خلال ثلاثة أسابيع، وأُطيح بصدام حسين، وتفكك جيشه. وبعد ثلاثة وعشرين عاماً، ومع مغادرة القوات الأمريكية، لم يكتمل بعد بحث بغداد عن الاستقرار. فقد استُعيدت المدن من سيطرة تنظيم "داعش"، لكن الإرث الفكري للتنظيم وهيكله الخلوي بقيا على قيد الحياة.
وفي غزة، تلقت القيادة العسكرية والبنية التحتية لحماس ضربات قاسية، غير أن مستقبل القضية الفلسطينية لا يزال يعتمد على الأسئلة السياسية المطروحة على طاولة المفاوضات. ويلاحظ الكاتب أنه خلال الربع الأخير من القرن، حققت أكثر جيوش العالم تطوراً التفوق مراراً في ساحة المعركة، لكن عدد الحالات التي لم تتحول فيها النتائج العسكرية إلى نظام سياسي دائم قد ازداد. وربما يكمن هنا أحد أكبر الأوهام الاستراتيجية في عصرنا.
فقد بات تدمير جيش العدو واحتلال عاصمته وإسقاط نظامه يُنظر إليه على أنه نهاية الحرب. أما في صراعات اليوم، فإن هذه الخطوات غالباً ما تغلق الفصل الأول من القصة فحسب. لأن محاولة القضاء على الحركات المسلحة، أو حتى على الأنظمة أحياناً، دون فهم الأسباب التي تدفع الناس إلى القتال، قد تؤدي إلى اضطرابات أكبر.
ويشير إكين إلى أن الاستثناء الذي حدث عام 1945 لم يُفهم جيداً. ففي الذاكرة الجماعية للعالم الحديث، تشكلت أقوى صورة للنصر في نهاية الحرب العالمية الثانية: سقطت برلين، ومات هتلر، واستسلمت ألمانيا بلا شروط، ثم سلكت اليابان الطريق نفسه بعد أشهر. وبدت العلاقة بين الحرب والنصر بسيطة: دمّر القدرة العسكرية للعدو، واكسر إرادته السياسية، وفرض شروطك. لكن معظم الصراعات عبر التاريخ لم تنتهِ بهذا الحسم. فغالباً ما لم يختفِ أحد الطرفين تماماً. وعندما تجاوزت كلفة الصراع المكاسب المتوقعة، قُدمت تنازلات أو قُبل وقف إطلاق نار أو أُبرم اتفاق. ونجاح العمليات العسكرية يختلف عن قدرة القيادة السياسية على إنهاء الصراع بالشروط التي تريدها.
ويوضح الكاتب أن أحد المشكلات التي تواجهها القوى الكبرى هو تغير رياضيات الحرب. ففي الصراع غير المتكافئ تختلف أهداف الطرفين. فعلى القوة العظمى أن تشرح لرأيها العام وحلفائها وجنودها أسباب القتال، وأن تظهر تقدماً، وأن تنتج نتيجة في النهاية. أما توقعات الحركة المسلحة فقد تكون أدنى: لا تحتاج إلى احتلال العاصمة، ويكفيها البقاء على قيد الحياة.
وبالنسبة للجيش القادم من الخارج قد تكون عشر سنوات فترة طويلة استثنائية، بينما تستطيع الحركة التي تقاتل على أرضها أن تحسب الزمن على مدى أجيال. وقد بلغت التكنولوجيا مستوى استثنائياً في ضرب الأهداف المادية، لكن لا يمكن إدخال إحداثيات فكرة في أذهان الناس إلى أي نظام.
فالقومية مثال على ذلك، والدين مثال آخر، وكذلك الانتماء العرقي والمطالبة بالأرض وشعور الانتقام والذاكرة التاريخية. وقد يؤدي القضاء على القيادة إلى تقليص القدرة التنظيمية بشكل كبير، وقطع مصادر التمويل إلى تضييق نطاق النشاط، واحتلال المناطق الآمنة إلى الحد من حرية الحركة. لكن إذا استمرت الظروف التي أنتجت الحركة، فإن آخرين سيملأون الفراغ. بل إن بعض الأساليب العسكرية قد تعيد إنتاج المشكلة التي تحاول حلها.
وينسحب الأمر نفسه على العقوبات الاقتصادية. فالمنطق مفهوم: قيّد تجارة الخصم، وصعّب وصوله إلى النظام المالي، وقلل مداخيله، وأجبره على تغيير سلوكه. وأحياناً ينجح ذلك. وأحياناً أخرى تتعلم الدول العيش تحت هذا الضغط لسنوات طويلة، كما فعلت كوبا وكوريا الشمالية وإيران في فترات مختلفة. فالتكلفة الاقتصادية متغير من متغيرات القرار السياسي، وليست المتغير الوحيد. فأمن النظام والقومية والأيديولوجيا والدعم الخارجي ومسارات التجارة البديلة وإدراك التهديد الداخلي كلها تدخل في الحساب. بل إن الضغط الخارجي قد يغذي رواية "نحن تحت الحصار" التي تستخدمها بعض الإدارات لتعزيز قدرة المجتمع على الصمود.
وهنا يستعيد إكين فكرة قديمة قيمتها: اترك للعدو باباً يخرج منه. وهي الفكرة التي طرحها الجنرال الشهير سون تزو، وتقوم على الاستراتيجية أكثر مما تقوم على الرحمة. تخيل أنك تترك للطرف المقابل خيارين فقط: الاستسلام الكامل أو الفناء. عندها، مهما ارتفعت كلفة مواصلة الحرب، قد تبدو كلفة الاستسلام أعلى، فيصبح الصمود حتى النهاية خياراً عقلانياً. لذلك فإن التفاوض الناجح لا يعني منح الخصم كل ما يريد، بل خلق الظروف التي تمكنه من ترك الحرب. والفرق بينهما مهم بلا شك.
ويختتم الكاتب بأن النصر الحقيقي في العصر الجديد ربما يكمن هنا: قد تكون المهارة الأساسية ليست في كسب الحرب التالية، بل في إقامة نظام لا يترك حاجة إلى الصراع أصلاً.
======================
الهيئات الرقابية والتنظيمية الضامنة للأمن المالي
أردال تاناس كاراغول - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
مع تزايد أهمية الأدوات المالية في الاقتصاد، اكتسب الأمن المالي أيضاً أهمية حيوية بالنسبة إلى المستثمرين الأفراد والمؤسسات.
أما الآلية الأكثر أهمية التي تضمن تحقيق الأمن المالي، وبالتالي حسن سير الأسواق المالية، فهي وجود الهيئات الرقابية والتنظيمية.
أهمية الهيئات الرقابية والتنظيمية
ترتبط متانة النظام المالي وأمنه ارتباطاً وثيقاً بمدى قوة أسسه.
وتحدد هيئات الرقابة والتنظيم، مثل هيئة أسواق رأس المال (SPK)، وهيئة التنظيم والرقابة المصرفية (BDDK)، والبنك المركزي، القواعد التي يتعين على الجهات الفاعلة في السوق الالتزام بها، وتراقب تطبيقها وتشرف عليها.
ولا يتعين على الهيئات الرقابية والتنظيمية اليوم متابعة العمليات التقليدية للمصارف وأسواق رأس المال والبورصة فحسب، بل أيضاً عمليات الاحتيال الرقمي، والمخاطر السيبرانية، والأصول المشفرة، وأمن البيانات، وحركات الأموال العابرة للحدود، بشكل آني.
إضافة إلى ذلك، تتحمل الهيئات الرقابية والتنظيمية، في الفترات التي تتسارع فيها المضاربات والأنشطة المالية غير المسجلة، مسؤولية أن تكون درعاً للنظام المالي، إلى جانب مسؤولية الإنذار المبكر.
ومن الضروري أن تؤدي الهيئات الرقابية والتنظيمية مهام الإنذار المبكر من خلال رصد السلبيات في الأسواق المالية في الوقت المناسب، والحفاظ على استقرار السوق، واتخاذ التدابير مسبقاً للحيلولة دون وقوع أضرار محتملة.
وبالتالي، مهما ارتفع مستوى الثقافة المالية، فإن الهيئات الرقابية والتنظيمية المستقلة والقوية والفعالة في عملها هي التي ستمنح المستثمر الثقة.
الهيئات الرقابية والتنظيمية من أجل الاستقرار الاقتصادي والسياسي
إن وجود نظام مالي قوي هو أساس النمو الاقتصادي المستدام والتنمية والاستقرار الاقتصادي.
ومن جهة أخرى، فإن تمتع الهيئات الرقابية والتنظيمية التي تشكل جزءاً من النظام المالي القوي بالاستقلالية في قراراتها، والاتساق في تطبيقاتها، والشفافية أمام الرأي العام، من شأنه أن يزيد من مصداقية هذه الهيئات، كما سيكون ضمانة للاستقرار الاقتصادي والمالي.
والحقيقة أن المجتمع بأسره يدفع ثمن الأضرار الناجمة عن عدم الاستقرار الذي يحدث في المجال المالي، تماماً كما هو الحال في جميع المجالات التي تضعف فيها الرقابة ولا تعمل فيها القواعد.
لذلك، فإن الأمن المالي شرط لاستمرار الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
وبالتالي، من الضروري أن تبقى الهيئات الرقابية والتنظيمية قوية من أجل تحقيق الأمن المالي.