ترك برس
في وقت تتسارع فيه تحولات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، يبرز سؤال جوهري حول دور القوى الإقليمية في رسم معالم النظام الأمني الجديد. ويقدّم الكاتب التركي فائق تانريكولو، في تحليله المنشور في صحيفة "ستار"، قراءة معمقة لهذا التحول، متسائلاً عما إذا كان بإمكان تركيا أن تصبح المهندس الجديد للأمن في المنطقة، انطلاقاً من اتفاقية مكة المشتركة التي جمعتها مع السعودية وباكستان.
يشير تانريكولو إلى أن خريطة الشرق الأوسط قد لا تتغير، لكن معمارية الأمن فيه تتغير بسرعة. فالصراعات التي اشتدت مجدداً في اليمن خلال الأيام الأخيرة، وهجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف داخل السعودية، وضرب مطار عدن، والمواجهة حول باب المندب، كلها تكشف حقيقة واحدة: لم يعد بالإمكان إدارة المنطقة تحت المظلة الأمنية الأمريكية القديمة.
ومن هنا يرى الكاتب أن اتفاقية الدفاع المشترك التي وُقّعت في 7 آب/أغسطس بين تركيا والسعودية وباكستان ليست مجرد نص تعاون دفاعي عادي. فمنطقها واضح: أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعتبر موجهاً إلى الباقيين. وفي الاجتماع الاستثنائي الذي عُقد في الرياض في 5 تشرين الأول/أكتوبر، تقرر عدم ترك هذا الالتزام السياسي حبراً على ورق، بل تحويل التزامات الدفاع المشترك إلى واقع عملي، ونشر القوات والقدرات المتفق عليها بسرعة.
ويؤكد تانريكولو أن أهمية هذا التطور تتجاوز اليمن بكثير. ويذكّر بأن أمس كان 7 تشرين الأول/أكتوبر، ذكرى مرور ثلاث سنوات على هجمات حماس التي أعقبها الدمار الثقيل في غزة. ورغم مرور هذه السنوات، لم يُقم نظام سياسي دائم، ولم ينجح اتفاق وقف إطلاق النار وخطة السلام التي قادتها الولايات المتحدة في وقف العنف تماماً في الميدان. وعلمتنا غزة درساً واضحاً: لا يمكن ترك أمن المنطقة رهناً بالمبادرات الدبلوماسية التي تأتي من واشنطن عند اندلاع الأزمات فقط. فحين يتعذر إنتاج حل سياسي، يتسع الفراغ الأمني، ويملأه الفاعلون من غير الدول والقوى الوكيلة وخطوط الصراع الجديدة.
ويرى الكاتب أن ثلاثة أعمدة أساسية في النظام الأمني للشرق الأوسط تهتز في آن واحد: أولاً، لم تعد الضمانة الأمنية التقليدية التي كانت تقدمها الولايات المتحدة لدول المنطقة تُنظر إليها على أنها غير محدودة كما في السابق. ثانياً، جعل الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى مضيق هرمز أحد أكثر نقاط الاقتصاد العالمي هشاشة. ثالثاً، الضغط الذي يشكله الحوثيون على خط باب المندب والبحر الأحمر بات يهدد مباشرة طرق الطاقة والتجارة.
ويشير تانريكولو إلى أن عودة سعر خام برنت إلى ما فوق مئة دولار لم تعد مرتبطة بحجم العرض في الأسواق فحسب، بل أيضاً بمسارات الناقلات وتكاليف التأمين وأمن الموانئ وما إذا كانت المضايق ستبقى مفتوحة. فأمن الطاقة اليوم لم يعد مسألة إنتاج النفط بقدر ما هو مسألة نقله بأمان.
وهنا بالضبط تظهر أهمية تركيا. فهي ليست العضو الأقوى عسكرياً في هذا الثلاثي فحسب، بل تحولت بفضل خبرتها في الناتو وصناعتها الدفاعية المتقدمة وقدراتها في الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وخبرتها العملياتية الميدانية إلى فاعل يُنتج الأمن. وتجلس باكستان بطاقتها النووية وجيشها الكبير، والسعودية بقوتها الاقتصادية ومواردها الطاقوية، وتركيا بقدراتها العسكرية-التكنولوجية وشبكتها الدبلوماسية حول الطاولة نفسها. وهذا التوليف لا ينبغي التقليل من شأنه.
غير أن الكاتب يحذر من نقطة حاسمة بالنسبة لتركيا: يجب ألا تحول أنقرة هذا التحالف إلى أداة للانجرار إلى حروب جديدة مفتوحة النهايات. فمصلحة تركيا ليست في الغرق في مستنقع اليمن، بل في بناء ردع قادر على تقييد الحرب. وينبغي أن يكون مركز ثقل تحالف مكة في الدفاع الجوي والصاروخي وتبادل الاستخبارات وأمن الممرات البحرية وحماية البنى التحتية الحيوية ومشاريع الصناعة الدفاعية المشتركة، لا في الحروب البرية.
ويرى تانريكولو أن الفرصة الحقيقية لتركيا تكمن هنا أيضاً في جيوسياسة الطاقة. فحين يصبح هرمز وباب المندب محفوفين بالمخاطر في آن واحد، يضطر المنتجون والمستهلكون إلى البحث عن مسارات بديلة. وتكتسب الخيارات البرية وخطوط الأنابيب المؤدية إلى شرق المتوسط وأوروبا قيمة استراتيجية متجددة. ونقل نفط العراق شمالاً عبر تركيا نحو المتوسط، وطاقة محطات الطاقة، ودور تركيا في الممر الطاقوي بين الشرق والغرب، كلها مسائل أمنية مباشرة وليست اقتصادية فحسب. وإذا جمعت أنقرة بين دبلوماسية الدفاع ودبلوماسية الطاقة والنقل، فإنها تستطيع تقليل كلفة الأزمات وتعزيز قيمتها الجيوسياسية في الوقت نفسه.
ويضيف أن دول الخليج ستخصص موارد هائلة للدفاع في السنوات المقبلة. وعلى أنقرة أن تنظر إلى هذا الهيكل الأمني الجديد لا كتحالف عسكري فحسب، بل كمنصة للصناعة الدفاعية ونقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك. فالمجال يتسع من أنظمة الدفاع الجوي التركية إلى الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية وإنتاج الذخائر. وقد حُدد تطوير التكنولوجيا والإنتاج المشترك رسمياً كأحد أهداف اتفاقية مكة.
والأهم من ذلك كله، أن أنقرة لم تعد مجرد دولة تنضم إلى معماريات الأمن التي يبنيها الغرب، بل أصبحت صاحبة رأي في تصميم النظام الأمني المحيط بها. وهذا نتيجة طبيعية لسياسة الاستقلالية الاستراتيجية التي انتهجتها في السنوات الأخيرة.
ويشدد تانريكولو على أن اتفاقية مكة ليست بديلاً عن الناتو. لكنها مهمة لأنها تُظهر أن تركيا قادرة على توظيف عضويتها في الناتو وشراكاتها الإقليمية في آن واحد. وميزتها ليست في التأرجح من كتلة إلى أخرى، بل في أن تصبح فاعلاً لا غنى عنه عند نقطة تقاطع شبكات الأمن المختلفة.
ويختم الكاتب بأن السؤال الرئيسي في المرحلة المقبلة سيكون: هل سيظل أمن الشرق الأوسط يُحدد من الخارج، أم ستتمكن الدول القوية في المنطقة من بناء معماريتها الأمنية الخاصة؟ والخطوة التي اتخذتها تركيا والسعودية وباكستان تمثل أحد أولى الإجابات الجادة على هذا السؤال. أما بالنسبة لتركيا فالمسألة واضحة: الجلوس إلى الطاولة لا يكفي، بل يجب أن تكون من الدول التي تضع قواعدها.
ويشير أخيراً إلى أن تأمين أمن الخليج ودفاعه من وراء المحيط بات يكلف الولايات المتحدة ثمناً أعلى فأعلى، خاصة مع اضطرارها إلى استخدام أنظمة دفاعية باهظة التكلفة في مواجهة صواريخ وطائرات مسيرة وتهديدات غير متماثلة رخيصة. وقد سبق أن قال ترامب عام 2019 إن فاعلين مثل تركيا وأوروبا وسوريا وإيران والعراق وروسيا يجب أن يتحملوا المزيد من مسؤولياتهم الأمنية. واليوم يظهر المشهد أن هذا التوجه يتجسد تدريجياً، ويمكن قراءة تحالف مكة الدفاعي كأحد أبرز الأمثلة على سعي دول المنطقة لملء الفراغ الأمني الذي تتركه واشنطن تدريجياً بإمكاناتها الذاتية.