بارتو إكن - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
20 مارس/آذار 2003. عندما بدأت الطائرات الأمريكية والبريطانية قصف العراق، كانت تُروى للعالم قصة طموحة للغاية. كان لدى صدام حسين أسلحة دمار شامل. وكان العراق يشكل تهديدا للمنطقة. وسيُطاح بالدكتاتورية، وستُقام بدلا منها دولة ديمقراطية ومستقرة. وبعد 23 عاما، تغادر القوات الأمريكية آخر قواعدها في العراق أيضا. فماذا تترك وراءها في العراق؟ صدام لم يعد موجودا. ولم يُعثر على مخازن الأسلحة الكيميائية التي كان يجري البحث عنها. أما نفوذ إيران في العراق فأصبح أقوى بكثير مما كان عليه في عهد صدام.
ولا يزال جزء مهم من الجماعات المسلحة المدعومة من إيران لم يسلم أسلحته. كما أن خلايا تنظيم داعش تعيد تنظيم صفوفها.
لم يُعثر على مبرر الحرب
لا يوجد ما يدعو كثيرا إلى ذرف الدموع بسبب إسقاط صدام، لكن هناك حقيقة تتمثل في أن لجنة أسلحة الدمار الشامل الأمريكية نفسها أقرت بأن تقييمات الاستخبارات الأمريكية قبل الحرب كانت خاطئة بشكل كبير. أي إن البلاد احتُلت أولا. ثم اتضح أن أحد أهم مبررات الحرب لم يكن موجودا. لكن كان الوقت قد فات بالنسبة للعراق.
أسقطوا الدولة أيضا مع صدام
بعد إسقاط نظام صدام، بدأ العمل على تصفية نظام البعث. وفي 16 مايو/أيار 2003، وبموجب الأمر رقم 1 الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة، بدأ إخراج كوادر البعث من المؤسسات الحكومية. وبعد أسبوع، جرى حل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية التابعة لعهد صدام. وفي ليلة واحدة، أصبح مئات الآلاف من الأشخاص المسلحين والمدربين بلا عمل. وحتى الدراسات التاريخية التي أجراها الجيش الأمريكي نفسه تقر بأن هذه القرارات دفعت آلاف العرب السنة إلى خارج النظام السياسي، وحرمت الدولة من الكوادر الفنية والبيروقراطية، ووسعت قاعدة الموارد البشرية لحركة التمرد المتنامية.
أرادت أمريكا تغيير نظام، لكنها فككت أيضا آلية الدولة. ثم أرسلت قوات لسنوات من أجل ملء ذلك الفراغ. كانت تلك إحدى مآسي العراق. فُككت البنية الأمنية أولا. ثم أُنفقت مليارات الدولارات لإعادة بناء البنية الأمنية التي جرى تفكيكها.
فتحوا المجال أمام طهران بينما أرادوا إضعافها
كانت إحدى النتائج الجيوسياسية للاحتلال مفارقة أكبر بالنسبة إلى واشنطن. كان صدام حسين عدوا لإيران. وقد أوقعت الحرب الإيرانية العراقية البلدين في حرب دامية استمرت ثماني سنوات. وعندما أُطيح بصدام، اختفى أحد أهم المنافسين الإقليميين لطهران.
في العراق الجديد، اكتسبت الحركات السياسية الشيعية قوة. وأصبحت الهياكل التي تربطها علاقات طويلة الأمد بإيران مؤثرة داخل الدولة. وتحولت الجماعات المسلحة المدعومة من إيران بمرور الوقت إلى جزء من البنية الأمنية العراقية.
واليوم، يوجد جزء مهم من قوات الحشد الشعبي رسميا ضمن المنظومة الأمنية العراقية، لكن بعض الجماعات القوية الموالية لإيران داخل هذه البنية تحافظ على قدراتها المسلحة، ويمكنها أحيانا التحرك بشكل مستقل عن آلية صنع القرار المركزية في بغداد.
والآن، مع انسحاب أمريكا، تريد نزع سلاح الميليشيات نفسها. وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد وافق، خلال لقائه مع ترامب، على موعد 30 سبتمبر/أيلول لنزع سلاح الميليشيات. لكن العملية لم تكتمل. وتريد بغداد الآن تمديد المهلة حتى يونيو/حزيران 2027. في المقابل، تقول بعض الميليشيات القوية صراحة إنها لن تتخلى عن أسلحتها قبل ضمان أمن العراق. أطاحت أمريكا بصدام، وحصلت إيران على مجال نفوذ في العراق أوسع من أي وقت مضى.
الهجمات بدأت من جديد
أحد مبررات انسحاب القوات الأمريكية من العراق هو أيضا أن تنظيم داعش لم يعد قوة عسكرية مركزية. وهذا صحيح. فالتنظيم الذي سيطر على الموصل عام 2014، وبسط سيطرته على نحو ثلث العراق، لم يعد يمتلك مثل هذه القوة. لكنه لم يختف تماما. وقبل أيام من الانسحاب، اشتبكت قوات جهاز مكافحة الإرهاب العراقي مع انتحاريين اثنين في ألتون كوبري شمال كركوك. ويحذر مسؤولون أمنيون عراقيون وأكراد من تحرك خلايا نائمة، ولا سيما في المناطق المتنازع عليها شمالي البلاد. أما بغداد فهي أكثر ارتياحا بكثير. وتؤكد الإدارة العراقية أن قوات الأمن وصلت إلى قدرة تمكنها من السيطرة على كامل أراضي البلاد.
لنعد إلى عام 2011. فقد انسحبت القوات الأمريكية في ذلك العام أيضا. وبعد ثلاث سنوات، سقطت الموصل في يد التنظيم. وتفككت بعض وحدات الجيش العراقي. وعادت أمريكا هذه المرة بدعوة من الحكومة العراقية. وبالتالي، فإن المسألة المطروحة أمام بغداد اليوم ليست رحيل القوات الأمريكية، بل سؤال: "هل هناك استقرار أم لا؟"
لماذا تشعر أربيل بالقلق؟
تُعد حكومة إقليم كردستان العراق من الأطراف الأكثر حذرا في التعامل مع الانسحاب. لأن الوجود الأمريكي كان يعني بالنسبة إلى أربيل أكثر من مجرد دعم عسكري. فقد كانت أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية، وقدرات الاستخبارات، ووسائل المراقبة، والردع الذي أقامته الولايات المتحدة في مواجهة الجماعات المرتبطة بإيران، عناصر مهمة في المعادلة الأمنية للإقليم الكردي. ومع مغادرة القوات الأمريكية، يغادر جزء من هذه الأنظمة أيضا.
وتدور نقاشات بشأن مدى قدرة قوات الأمن العراقية على تعويض قدرات الاستخبارات الإشارية والمراقبة الأمريكية بالكامل خلال فترة قصيرة. وتبحث بغداد الآن مع تركيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة شراء أنظمة دفاع جوي جديدة. أما أمريكا فلا تغادر العراق بشكل كامل.
ومع انتهاء المهمة العسكرية، ستُقام علاقة أمنية ثنائية جديدة بين واشنطن وبغداد. ومن المخطط استمرار التعاون في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب، وبرامج التسليح، ومكافحة الإرهاب، عبر نماذج مختلفة.
تركيا تنسحب من بعشيقة
في هذه المرحلة بالذات، شهدت تركيا أيضا تطورا مهما. فقد اتفقت أنقرة وبغداد على التسليم التدريجي لمعسكر بعشيقة-زيلكان إلى الحكومة الاتحادية العراقية. وفي المقابل، يُتوقع أن تفرض العراق سلطتها الحكومية بالكامل في سنجار، وأن تنهي وجود العناصر المسلحة الأجنبية المحظورة التي تعتبرها تركيا تهديدا أمنيا في المنطقة. كما تحقق تقدم بشأن تخلي وحدات مقاومة سنجار المرتبطة بحزب العمال الكردستاني عن أسلحتها، وانضمام عناصرها الذين يُعتبرون مناسبين إلى قوات الأمن العراقية.
هذه المعادلة مهمة بالنسبة إلى تركيا. لأن تسليم بعشيقة لا يمكن أن يكون ذا معنى إلا في عراق تتمكن فيه بغداد فعليا من فرض سيادتها. أمريكا تنسحب. وتركيا تستعد لتقليص وجودها في بعشيقة. أما بغداد، فتطرح الآن الادعاء التالي: أمن العراق ستتولاه الدولة العراقية...
لكن يجب ألا ننسى أن السيادة لا تقتصر على إنزال العلم الأجنبي. بل تعني أن تكون الدولة هي السلطة الوحيدة على أراضيها فيما يتعلق بالسلاح والقرارات الأمنية.