ترك برس
في مقال تحليلي نشره موقع إندبندنت تركية، يتناول الدكتور عثمان غازي كاندمير، المحلل الاستراتيجي التركي، كتاب إليوت كوهين الجديد "The Strategist: How to Think About War and Politics" (الاستراتيجي: كيف نفكر في الحرب والسياسة)، الذي سيصدر عن مطبعة جامعة برينستون.
ينطلق الكاتب من ملاحظة أساسية مفادها أن قرارات الحرب تُناقش في الغالب من زاوية القوة العسكرية فقط: «أي أنظمة أسلحة نملك؟ كم لدينا من الذخيرة؟ هل نستطيع فرض التفوق الجوي؟ وكم من الوقت نحتاج لإضعاف قدرة الخصم العسكرية؟». غير أن كوهين، كما يبرز كاندمير، يوجه الانتباه إلى سؤال أكثر جوهرية: «ما الذي يجب على الدولة أن تفكر فيه حقًا قبل الدخول في حرب؟».
يُعرّف كوهين الاستراتيجية بأنها «استخدام القوة العسكرية لتحقيق هدف سياسي»، ويميّزها بوضوح عن التخطيط اليومي أو مجرد إعداد الخطط. يقول كاندمير نقلًا عنه إن «التخطيط شيء، وتطوير الاستراتيجية شيء آخر. يمكن إعداد خطة، لكن الامتحان الاستراتيجي الحقيقي يبدأ عندما تتغير الظروف بعد اندلاع الحرب». ويشير الكاتب إلى توقيت صدور الكتاب، الذي يتزامن مع دخول الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إسرائيل ضد إيران شهرها الثامن دون تحقيق نتيجة واضحة، مما يجعل الكتاب ذا صلة مباشرة بالواقع الراهن.
في مقابلة أجراها كوهين مع جيمس إم. ليندسي، استعرض سبعة أسئلة ينبغي طرحها قبل اتخاذ قرار الحرب. ويؤكد كاندمير أن هذه الأسئلة ليست قائمة تحقق جاهزة، بل أدوات للتفكير الاستراتيجي العميق.
يبدأ كوهين بسؤال غير متوقع: «ما الذي يحدث أيضًا؟». فالحرب، كما يوضح كاندمير نقلًا عنه، «لا تقع في فراغ». فالتطورات في التحالفات، والوضع الاقتصادي، والمشكلات في مناطق أخرى، والعلاقات الدبلوماسية، والظروف السياسية الداخلية، كلها عناصر تشكل جزءًا من المعادلة. ويشير الكاتب إلى أن إدارة ترامب، عند دخولها حرب إيران، لم تأخذ في الحسبان سوء علاقاتها مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين الذين ستحتاج إلى دعمهم، ولم تُعِد حلفاءها في الخليج لهذه الحرب.
أما السؤال الثاني فيتلخص في عبارة مستوحاة من فيلم Butch Cassidy and the Sundance Kid: «من هؤلاء؟». والمقصود هنا ليس معرفة عدد جنود الخصم أو أسلحته، بل فهم طريقة تفكيره. يقول كاندمير إن ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث «لم يكونا يعرفان كثيرًا كيف يعمل النظام الإيراني وكيف سيرد في مثل هذا الصراع». ويذكّر الكاتب بأن هذا الخطأ تكرر في العراق وأفغانستان، حيث ظل فهم طبيعة الخصم غائبًا لفترة طويلة. ويضيف أن الخطأ ليس أمريكيًا حصريًا: «روسيا أساءت قراءة الأوكرانيين، وإسرائيل أساءت قراءة حماس».
السؤال الثالث يتعلق بالهدف: «ما هو الهدف؟». هنا يميز كوهين بين الهدف العسكري والغاية السياسية. فضرب هدف جوي أو إضعاف قدرة جيش أو احتلال منطقة هي أهداف عسكرية، لكن السؤال الاستراتيجي الحقيقي هو: «إلى أي نتيجة سياسية ترتبط هذه الأهداف؟». ويشير كاندمير إلى أن الغايات السياسية «بطبيعتها سياسية وتتغير خلال الحرب»، وأن بعضها قد لا يكون واضحًا حتى لصناع القرار أنفسهم. لذا يجب إعادة تقييم العلاقة بين الهدف العسكري والغاية السياسية باستمرار.
السؤال الرابع يوسّع مفهوم «الأدوات» ليشمل أكثر من الدبابات والطائرات والصواريخ. فمؤسسات الدولة، والقدرة البيروقراطية، والكوادر المتخصصة، وطريقة التنظيم، كلها أدوات استراتيجية. ويستشهد كاندمير بمثال أفغانستان حيث شكل نقص المتحدثين بالبشتو مشكلة حقيقية. فالمسألة ليست كمية الوسائل العسكرية فحسب، بل «هل توجد قدرة مؤسسية كافية لتحقيق الأهداف السياسية؟».
أما السؤالان الخامس والسادس فيتعلقان بالأولويات والتسلسل. فموارد أي دولة محدودة، لذا يجب أن يُطرح: «ماذا نفعل أولًا؟» ثم «بأي ترتيب؟». ويبرز كوهين مفهوم «الاعتماد على المسار» (path dependence)، حيث تؤثر القرارات الحالية في خيارات الغد. ويستشهد بقرار روزفلت عام 1942 بالإنزال في شمال أفريقيا، الذي كان صائبًا، لكنه جعل الإنزال في فرنسا عام 1943 مستحيلًا، وهو ما رآه المستشارون العسكريون ولم يره الرئيس.
يصل كوهين إلى السؤال الأهم: «كيف سننتصر؟» أو بعبارة أخرى «ما هي نظريتنا في النصر؟». فبدلاً من الانشغال بالمدخلات (كم جندي؟ كم مال؟ كم مدرب؟)، يجب أن يكون هناك تفسير معقول لكيفية وصول هذه المدخلات إلى الغاية السياسية. ويضرب كاندمير مثال روسيا في أوكرانيا: التوقعات الأولى كانت انهيار النظام خلال عشرة أيام، ثم جاءت نظرية الاستنزاف، وأخيرًا نظرية ضرب المجتمع المدني حتى يستسلم. ويخلص كوهين إلى أن «كل هذه النظريات ثبت خطؤها، لكن بوتين يصر عليها».
ويحذّر كوهين من أن المفاجآت في الحرب حتمية. لذا يجب على الاستراتيجي أن يفكر باستمرار من الأعلى إلى الأسفل ومن الأسفل إلى الأعلى، وأن يعيد تقييم أثر التطورات العملياتية والتكتيكية على الهدف السياسي. ويشير إلى حدود الحكم البشري على ثلاثة مستويات: الفردي (التعب والمرض)، والجماعي (تفكير الجماعة وصعوبة قول الحقيقة للزعيم)، والنظامي (الافتراضات المشتركة التي نادرًا ما تُراجع).
في ختام مقاله، يؤكد كاندمير أن جوهر رسالة كوهين يكمن في «ضرورة الاستمرار في مساءلة العلاقة بين القوة العسكرية والغاية السياسية». فقوة الجيش لا تعني أن كل هدف سياسي يمكن تحقيقه عسكريًا، ولا يوجد رابط تلقائي بين النجاح العسكري والنتيجة السياسية. والأسئلة الأصعب التي يجب طرحها قبل السؤال عن إمكانية النصر هي: ماذا نريد أن نغير؟ كيف سيرد الخصم؟ ما الموارد التي نملكها والتي نحتاجها؟ كيف يؤثر الخطوة الأولى في الخطوات التالية؟ وهل نستطيع تفسير كيف ستقود الأنشطة العسكرية إلى نتيجة سياسية محددة؟
يختتم الكاتب بأن قيمة عمل كوهين تكمن في أنه لا يحول الاستراتيجية إلى وصفة جاهزة، ولا يعد بإزالة عدم اليقين من الحرب. بل يدعو صانع القرار إلى مهمة أصعب: مساءلة افتراضاته الخاصة. فالمفاجآت في ساحة المعركة أمر لا مفر منه، لكن معرفة الافتراضات التي دخلت بها الحرب تجعل التعامل مع تلك المفاجآت أسهل.