ويأتي هذا التوجه في وقت تسعى فيه بغداد إلى تنويع اقتصادها وتقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد على مورد مالي واحد، وسط تحديات إقليمية ودولية تلقي بظلالها على أسواق الطاقة.
ويصنَّف العراق ضمن أبرز الدول المالكة لاحتياطيات الكبريت على مستوى العالم، إذ يتصدر قائمة الدول من حيث احتياطي الكبريت الرسوبي، وهو مورد استراتيجي تتركز أكبر مكامنه في حقل المشراق في محافظة نينوى شمالي العراق، كما ينتج الكبريت بكميات إضافية من عمليات معالجة الغاز وتكرير النفط في عدد من الحقول والمصافي، بينها حقلي الحلفاية وكركوك.
وفي تطور اقتصادي لافت، نجح العراق في تصدير أولى شحناته من الكبريت إلى الأسواق العالمية بأسعار قاربت 800 دولار للطن، مستفيدا من الارتفاعات القياسية التي شهدتها الأسواق الدولية نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية وتأثر سلاسل الإمداد العالمية، وقادت شركة تسويق النفط العراقية "سومو" هذه العملية.
دعوات لاستثمار الكبريت وتنويع الاقتصاد
وفي السياق، شدد المحلل السياسي أحمد الأنصاري، في حديث لـ "سبوتنيك"، على "أهمية توجه العراق نحو استثمار موارده الطبيعية غير النفطية، وفي مقدمتها الكبريت، في ظل التحديات الاقتصادية التي قد تواجه البلاد نتيجة تقلبات أسواق الطاقة أو توقف صادرات النفط لفترات معينة".
وقال الأنصاري: "يمتلك العراق ثروات كبيرة من الكبريت، سواء في الحقول الطبيعية أو الناتج عن عمليات تكرير النفط في المصافي، ما يجعله موردا اقتصاديا مهما يمكن أن يسهم في دعم الموازنة العامة وتنويع مصادر الدخل".
وأضاف: "انفتاح العراق على الشركات الخليجية والاستثمارات الخارجية من شأنه تعزيز العلاقات الاقتصادية واستغلال الموارد الطبيعية بشكل أفضل، فضلا عن المساهمة في تشغيل الأيدي العاملة وتطوير البنية التحتية الاقتصادية".
وأشار إلى أن "الحكومات المتعاقبة تأخرت في استثمار الكثير من الموارد الطبيعية، والمرحلة الحالية تتطلب التركيز على القطاعات الإنتاجية والصناعية لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات".
ويأتي هذا التحرك في وقت يشهد فيه سوق الكبريت العالمي تقلبات حادة، إذ تشير بيانات قطاع الطاقة إلى أن أكثر من 90% من إنتاج الكبريت عالميا يُستخرج بوصفه منتجا ثانويا من صناعات النفط والغاز، فيما يوفر الشرق الأوسط ما يقارب ثلث الإمدادات العالمية من هذه المادة الحيوية.
الاستثمارات الخليجية في المعادن تدعم الموازنة
في المقابل، رأى المحلل الاقتصادي أحمد الفيلي، أن "توجّه الشركات الخليجية للاستثمار في قطاع الكبريت والمعادن الأخرى داخل العراق، يعد خطوة إيجابية تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الإيرادات".
وأضاف الفيلي، في حديث لـ "سبوتنيك": "العراق بحاجة إلى البحث عن بدائل اقتصادية حقيقية وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، خاصة أن التقلبات التي شهدتها أسعار النفط خلال الأزمات والحروب أثبتت ضرورة تنويع الموارد المالية للدولة".
وأوضح أن "جزءا كبيرا من الموازنة العامة يذهب لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية، الأمر الذي يستدعي إيجاد مصادر دخل إضافية تسهم في تخفيف الضغط على المالية العامة".
وختم حديثه بالقول: "الحكومة مطالبة بالتفكير بجدية في تنويع الاقتصاد من خلال دعم الاستثمارات في القطاعات غير النفطية، إلى جانب إحياء قطاعي الصناعة والزراعة باعتبارهما من الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وزيادة الإيرادات".
ويؤكد مراقبون أن هذا الواقع يمثل فرصة اقتصادية مهمة للعراق، الذي يمتلك قاعدة إنتاجية واعدة من الكبريت بفضل قطاعه النفطي والغازي الواسع. وتسعى بغداد خلال السنوات الأخيرة إلى تعظيم الاستفادة من المنتجات الثانوية للصناعات الاستخراجية وتحويلها إلى مصادر دخل إضافية، بدلا من الاعتماد شبه الكامل على صادرات النفط الخام.