تبقى الكلمات البسيطة، حين تُقال بصدق، قادرة على إحداث أثرٍ عميق يتجاوز حدود اللغة. ويأتي تبادل التهاني في المناسبات الدينية والاجتماعية في مقدّمة هذه الكلمات، بوصفه ممارسة إنسانية راقية تُسهم في ترسيخ قيم السلام والمحبة داخل المجتمع. فالتهنئة ليست مجرّد عبارة مجاملة عابرة، بل رسالة اعتراف بالآخر، واحترام لمشاعره ومعتقداته، وجسر إنساني يعبر فوق هوّة الاختلافات.
إن ثقافة التهاني المتبادلة تؤدي دورًا مباشرًا في تهدئة التوترات الاجتماعية، وتُضعف خطاب الانقسام الذي تتغذّى عليه الكراهية والإقصاء. فحين يمدّ الإنسان يده مهنئًا، فإنه يعلن، ولو ضمنًا، رفضه لمنطق العداء، ويؤكد أن التعايش ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة أخلاقية واجتماعية. والمجتمعات التي تتقن لغة الاحترام المتبادل، أقل عرضة للانزلاق نحو العنف اللفظي أو الرمزي.
كما تمثل التهنئة موقفًا عمليًا في مواجهة خطاب التكفير ونفي الآخر، ذلك الخطاب الذي يقسّم الناس إلى “نحن” و“هم”، ويزرع بذور الشك والفرقة. فالتهنئة تُعيد الإنسان إلى جوهره الإنساني، وتذكّره بأن الاختلاف في الدين أو المذهب أو الرأي لا يبرّر الإلغاء ولا الانتقاص، بل يفرض مزيدًا من الوعي والاحترام. فالاعتراف بالآخر واحترام خصوصيته الدينية يعزّزان القيم المشتركة التي تلتقي عندها البشرية، من خيرٍ وعدلٍ ورحمة.
ومن زاوية دينية، يشكّل احترام الأديان والمعتقدات المختلفة ركيزة أساسية للسلم الأهلي. فالدين، في جوهره، دعوة إلى الأخلاق السامية، لا أداة للصراع أو التحريض. وتبادل التهاني في المناسبات الدينية يجسّد هذا المعنى بوضوح، إذ يؤكد أن الإيمان الحقيقي لا يتناقض مع الانفتاح، ولا يتعارض مع قبول الآخر، بل يتكامل معه.
لسنا مطالبين باعتناق دينٍ غير ديننا، ولا باتباع مذهبٍ أو فكرٍ لا نؤمن به، بل المطلوب هو الاحترام فحسب. فالاحترام والتقدير الإنساني أدوات فاعلة في نشر المحبة التي دعت إليها معظم الأديان، إن لم تكن جميعها. وهو احترام لا ينتقص من القناعات، ولا يهدد الهوية، بل يحمي المجتمع من الانغلاق والتناحر.
ختامًا، فإن تعزيز ثقافة تبادل التهاني ليس مجرّد بروتوكول اجتماعي، بل خيار واعٍ لبناء مجتمع متماسك، تُحاصَر فيه الكراهية، وتُفتح فيه نوافذ الحوار. هي خطوة صغيرة في ظاهرها، كبيرة في أثرها، تؤكد أن السلام قد يبدأ بكلمة… وقد تكون تلك الكلمة: “تهانينا”.