بنات سنجار يحكين، القصة الرابعة ” تبًّا للاحتفال”

ايزيدي 24
  • منذ 1 أسبوع
  • أخبار العراق
حجم الخط:

حليمة شنكالي 

 

كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، كان جيش ابن زياد في طريقه من العراق إلى الشام. نزلوا منزلاً في دير راهب، فرفعوا رأس الإمام الحسين (عليه السلام). فقال الراهب: “تباً لكم! والله، لو كان لعيسى بن مريم ابن، لحملناه في أحداقنا!” كان ذلك في 10 أكتوبر 680 ميلادية. كان يا ما كان، وليس في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، بل في هذا العصر والزمان، وفي العراق أيضاً، هجوم من قبل قوات داعش على مدينة سنجار. لم يدافع عن هذه المدينة أي حارس لها، بل فروا جميعاً، فقامت عصابات داعش بقتل العشرات من الرجال الإيزيديين بطريقة الذبح وفصل الرؤوس عن الأجساد، ورفعت تلك العصابات الرؤوس متباهية بانتصارها والسيطرة التامة على مدينة سنجار وضواحيها. كان ذلك يوم 3 من شهر أغسطس عام 2014 ميلادية. دخلت عصابات داعش وانتشرت في البيوت الآمنة. في أحد البيوت، ما إن وقعت عيون كبيرهم “أبو سيف” على “روناهي”، الفاتنة الحُسن والجمال ذات الأربعة عشر عاماً، حتى أمر فوراً بأخذها سبية. فقامت أفراد العصابة بتنفيذ الأمر. استبسلت عائلتها في احتضانها، لكنهم انتزعوها منهم وكبلوا يديها ورجليها وعصبوا عينيها وفمها وسط صراخها وصراخ عائلتها، ووضعوها في سيارة عسكرية وانطلق السائق بسرعة جنونية. ظلت روناهي تسمع صرخات التمزق وآهات العذاب من بيتها ومن بيوت أخرى، وهي لا تقوى على الحراك أو الكلام. أُغمي على روناهي، وعندما أفاقت وجدت نفسها قد وقعت في أيدي من هم من شر ما خلق الله، في مكان غريب لا أهل لها ولا أحباب. كانت في بيت عتيق على الحدود العراقية السورية مع أبو سيف الذي أمر باختطافها من بيتها في سنجار. كانت هناك امرأة داعشية منقبة، جارية لأبي سيف، تسكن البيت أيضاً وتشبه في ضخامتها الرجال. كان أبو سيف يناديها بـ”رفيقة”، وهو الذي أمرها بجلد روناهي لتكف عن الصراخ والولولة بلغتها الكردية السنجارية التي تفسد عليه نشوته معها وتثير حنقه. فكانت رفيقة تجلدها بحقد بقطعة جلد طويلة وسميكة تنتهي بمقبض خشبي وهي تردد: – لن أكف عن ضربك إلا بعد أن تتركي هذه اللغة الحقيرة.. سأضربك حتى تستسلمين وتتكلمين بلغة أهل الجنة!.. أنتِ المفعوصة تفسدين لحظات التنفيس عن المجاهد أبو سيف! أنتِ!! استمر الجلد المبرح لروناهي بعد كل مرة تولول بلغتها وتسب وتشتم وتنادي أُمها، أباها، إخوانها، وخالها “سردار” الذي كان يكثر من الاهتمام بها ويدللها. استمرت طريقة التعذيب هذه لعدة أشهر، فأصاب التلعثم لسانها.

ثم قدمها أبو سيف هدية لداعشي آخر بعد أن سئم منها. مر ما يقارب الأربع سنوات على روناهي وهي تتلعثم عندما تتكلم. كانوا ينقلونها من مكان إلى آخر، من داعشي إلى آخر، ومن داعشي اشتراها لمدة ما من الزمن ثم باعها لآخر، ومن داعشي هدية لآخر… وهكذا. كانت تُعرض للبيع في كثير من الأحيان، ويتفحصها السفلة وتباع في مزايدة علنية، شبه عارية، في مدينة الموصل وأماكن مختلفة من سوريا. وهبط سعر روناهي شيئاً فشيئاً من ألفي دولار إلى خمسين دولاراً، وأحياناً كانت مجموعة من السرسريّة يدفعون مبلغ الخمسين دولاراً ليتقاسمونها. تغيرت روناهي وأصبحت فتاة هزيلة ومريضة، ولم تعد كما كانت شابة جميلة حسناء عندما قدمت في أغسطس 2014.

كان الوقت ليلاً من أواخر شهر مايو عام 2018، عندما كانت “روناهي”، الفتاة الإيزيدية الملقاة على السرير، متعبة جداً ومريضة حين استقر بها المطاف بغرفة في مستوصف، حيث وضعوها على سرير طبي وبدأت العناية المركزة بها. كانت تشرف عليها امرأتان منقبتان بالسواد تماماً. كانت روناهي تتابع حديث المنقبتين وتسمع: – عسى أن يعدل الأمير بيننا في المكافأة بعد كل هذا المجهود الذي بذلناه مع هذه الخرساء. – لقد اشتقت للأمير وأريد رضاه ورضاء الله. – وأنا أيضاً. – من ستكون الأولى؟ أنا أم أنتِ؟ – لا يهم، المهم أن يعدل بيننا. ضحكتا بصوت عالٍ جداً واهتز نقابهما الأسود. صمتتا فجأة وهما تسمعان وقع أقدام تقترب. دخل الأمير الداعشي ذو اللحية والشوارب السوداء الكثة.

كان يرتدي دشداشة قصيرة بيضاء تبدو جديدة هي والسروال، ويرتدي سترة بنية تبدو كبيرة عليه. استقبلته المرأتان بحفاوة بالغة. أخذ الأمير يتفحص روناهي بنظراته باسماً، ثم التفت إلى المرأتين وازداد ابتسامته اتساعاً، وقال: – بعد نصف ساعة يجب أن تكون جاهزة، حيث سيأخذونها. – أمرك سيدي الأمير. قالتها كلتا المرأتين معاً. خرج الداعشي، وبكت روناهي تتمزق روحها عذاباً وهي تتساءل: لمن سيعطوني هذه المرة؟! لماذا أعطوني أكياساً من المغذي طوال ما يقرب الشهر؟! لماذا يدللوني؟ يقتلونني ثم يحيونني؟! ماما، بابا، خلصوني! أين أنت، أخي فرهاد؟ أين أنت، أخي كاوه؟ أين أنت، أخي نوزاد؟ خالو سردار، لماذا لا تأتون لنجدتي؟ أين أنتم؟! انهمكت المرأتان في تبديل ملابس روناهي الخاصة بمرضى المستشفى إلى عباءة سوداء جديدة وغطاء رأس أسود. تناوبتا على توجيه هذا الحديث إليها: لا تقاومي، يجب أن نستبدل ملابسك.. لقد اشتراكِ أهلك وستعودين إلى ديارك.. صدقي واستسلمي، أيتها الخرساء.. كوني هادئة.. لا تغضبي المجاهدين، هم الذين سيسلمونك إلى ذويك. هل تفهمين؟ أصيبت روناهي بالذهول. فجأة، دخل شخص ضخم الجثة، مخيف المنظر، يرتدي بنطالاً أسود وقميصاً أسود أيضاً، ويتدلى من حزامه مسدس. تعاون مع المرأتين على تغطية عينيها بقطعة قماش سوداء سميكة وسدوا أنفها وهم يشددون قبضتهم عليها، وسكبوا كوباً من المنوم في فمها فتجرعته وهي توشك على الاختناق. ثم وضعوها في عربة نقل المرضى وأخرجوها من المشفى وحملوها في سيارة، وكانت عاجزة عن القيام بأي رد فعل، ثم راحت في سبات عميق. بعد يومين، حلت في مبنى محافظة دهوك. هرع إليها خالها سردار وزوجته وهما يبكيان.

سألت بلسانها الثقيل بلغتها الكردية الأم: – خالي، أين ماما؟ أين بابا؟ أين إخواني؟! وعرفت أن السفلة قتلوهم جميعاً إثر الشجار العنيف الذي دار بينهم وبين العصابة بعد اختطافها. كان خالها سردار، الذي تشبهه تماماً، يعمل موظفاً حكومياً في مدينة دهوك. بذل جهوده طوال أربع سنوات يسأل عن روناهي، الوحيدة التي لم تُقتل من بيت أخته. وكانت الطريقة الوحيدة لإعادتها هي المساومة على شرائها، فاشتراها. يعج مبنى محافظة دهوك بالمسؤولين وقنوات الإعلام والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، حيث مراسيم استقبال عودة روناهي، المخطوفة الإيزيدية. وقفت روناهي مع خالها الشاب وزوجته التي هي ابنة عمها. يبدو الثلاثة متشابهين جداً ببياض بشرتهم وشفاههم المرسومة وعيونهم العسلية المحمرة الغارقة بالدموع وكأنها غارقة بالدم من شدة احمرارها. – تباً، تباً! لا كانت الأرض ولا كانت السماء ولا كنتم ولا كان الاحتفال! صرخ خالها بصوت عالٍ بوجه جميع المتجمهرين. وخطى بخطواته معهما، مرفوع الرأس، وهو يتوسط روناهي وزوجته محتضناً لهما بذراعيه وسط ذهول وصمت الجميع!



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين




>