ترك برس
استعرض مقال تحليلي للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، سيرة سياسية تحليلية للرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال، ودوره المحوري في التاريخ التركي المعاصر، بدءاً من ترشحه المبكر غير الناجح عام 1977، مروراً بصعوده بعد انقلاب 1980 وتأسيس حزب الوطن الأم وفوزه بانتخابات 1983، وصولاً إلى سياساته الاقتصادية الليبرالية التي نقلت تركيا نحو اقتصاد السوق المفتوح.
ويتناول المقال إصلاحات أوزال السياسية والاجتماعية والثقافية التي قللت من الوصاية العسكرية والقيود الكمالية، وانتهاءً بنشاطه في السياسة الخارجية وإرثه الذي أثر لاحقاً في أردوغان. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة الشرق القطرية:
يحتل تورغوت أوزال مكانة بارزة في التاريخ السياسي التركي، رغم أن جوانب مهمة من إرثه لا تزال غير معروفة على نطاق واسع. ففي عام 1977، ترشح للانتخابات البرلمانية في مدينة إزمير المعروفة بتوجهها العلماني، عن حزب السلامة الوطني بزعامة نجم الدين أربكان، لكنه لم يتمكن من الفوز. وكما أشرنا في مقالنا قبل أسبوعين، أحدث الانقلاب العسكري عام 1980 تحولًا جذريًا في الحياة السياسية التركية، حيث حُلّت الأحزاب وفُرض الحظر السياسي على قياداتها، بينما تولى قائد الانقلاب كنعان إيفرين رئاسة الجمهورية لمدة سبع سنوات بموجب دستور 1982. وقد أتاح هذا الوضع فرصة لأوزال، الذي لم يكن من القيادات الحزبية المحظورة، فلم تنظر إليه المؤسسة العسكرية باعتباره تهديدًا كبيرًا. ورغم دعم الجيش وإيفرين لحزب الديمقراطية القومية الذي أسسه جنرال متقاعد، فإن الناخبين الأتراك خالفوا توجهات المؤسسة العسكرية، ومنحوا حزب الوطن الأم بقيادة أوزال الأغلبية البرلمانية في انتخابات عام 1983، ليتولى قيادة الحكومة.
ولإنهاء التوترات الاجتماعية السابقة، نجح أوزال من خلال حزبه وحكومته في جمع تيارات يمين الوسط والمحافظين والقوميين والليبراليين تحت مظلة واحدة. واستثمر شعبيته الواسعة في توسيع دور السلطة السياسية المنتخبة تدريجيًا على حساب الوصاية العسكرية والبيروقراطية، مع التركيز على السرعة والبراغماتية في إدارة الدولة. كما دشن أسلوبه في التواصل المباشر مع الشعب واستخدام التكنولوجيا مرحلة جديدة في القيادة السياسية. وفي المقابل، اتسم حكمه بمركزية اتخاذ القرار والاعتماد على قيادته الكاريزمية القوية لتجاوز مقاومة المؤسسات للتغيير. وقد أسهم في تحرير الحياة السياسية وتقليص الوصاية العسكرية، وفتح الطريق أمام عودة السياسيين السابقين إلى العمل السياسي.
ظهر الأثر الأكثر استدامة لأوزال في المجال الاقتصادي، إذ لعب دورًا مهمًا في إعداد قرارات 24 يناير 1980 عندما كان مستشارًا لرئيس الوزراء سليمان ديميريل، ثم تولى تنفيذ هذه السياسات لاحقًا. وقد نقل الاقتصاد التركي المتمحور حول الدولة من نموذج إحلال الواردات والحمائية إلى اقتصاد حر ومنفتح على العالم وقائم على التصدير. وشملت إصلاحاته تحرير معاملات النقد الأجنبي، وتشجيع الصادرات، وتوسيع القطاع المالي، والتوجه نحو الخصخصة ودعم القطاع الخاص. كما خصخص العديد من الشركات الحكومية، وسعى إلى تشكيل طبقة برجوازية جديدة.
في السنوات الأخيرة من الحرب الباردة، أسهمت هذه السياسات في تسريع اندماج تركيا في الاقتصاد العالمي وتعزيز مكانة رجال الأعمال من الأناضول. وخلال عهد أوزال، حقق الاقتصاد التركي نموًا سنويًا بمتوسط 5.2%، وارتفعت الصادرات خمسة أضعاف. لكن ارتفاع التضخم، وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل، والعجز المالي، والهشاشة المالية، أدّت إلى تزايد الاستياء الشعبي وتعزيز قوة المعارضة الشعبوية مثل ديميريل. وتحت ضغط المعارضة القوية، انتُخب أوزال رئيسًا للجمهورية عام 1989، ليصبح أول رئيس مدني فعلي للبلاد.
على الصعيدين الثقافي والاجتماعي، شهد عهد أوزال تراجعًا في القيود التي فرضها النظام الكمالي على الدين، وتوسعًا كبيرًا في مدارس الأئمة والخطباء الإسلامية. وفي تلك السنوات، تغيّرت أنماط الاستهلاك والحياة اليومية بسرعة، وبدأ البث التلفزيوني والإذاعي الخاص، وأخذت الثقافة الاستهلاكية تحلّ محل الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار. كما أظهر أوزال إمكانية معالجة بعض المشكلات المزمنة، بما فيها القضية الكردية، بأساليب أكثر مرونة، وسهّل بل وشجّع اندماج الفئات الدينية والمحافظة في النظامين الاقتصادي والسياسي. وسعى أيضًا إلى الحد من نفوذ الأيديولوجيا الكمالية عبر افتتاح جامعات جديدة في العديد من المدن.
في السياسة الخارجية، انتهج أوزال سياسة أكثر نشاطًا وتنوعًا، متجاوزًا القوالب التقليدية للحرب الباردة. فقد أولى أهمية لطلب الانضمام الكامل إلى المجموعة الأوروبية، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، والاضطلاع بدور فاعل خلال حرب الخليج، والانفتاح على الجمهوريات التركية في آسيا الوسطى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. كما اعتبر العلاقات الاقتصادية أداة لتعزيز النفوذ الدبلوماسي، وفضّل اعتماد الدبلوماسية الشخصية والمباشرة، متجاوزًا بذلك النهج التقليدي المنغلق للدبلوماسية التركية.
سعى أوزال إلى تطوير العلاقات مع العالم الإسلامي والدول العربية، مع إيلاء اهتمام خاص للقضية الفلسطينية. كما عمل على تعزيز العلاقات مع العراق ودول الخليج، مع اتباع موقف متوازن خلال الحرب العراقية الإيرانية. وقد ترك أوزال، الذي تولى رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية بين عامي 1983 و1992، إرثًا سياسيًا مهمًا قدّم فيه مطالب الشعب بالحرية والتنمية على مصالح الدولة التقليدية. ولاحقًا، استطاع أردوغان تحقيق النجاح من خلال الجمع بين مثالية أربكان وبراغماتية أوزال ونهجه الإصلاحي الذي اعتمد تقوية قدرات المجتمع التركي.