شهدت جنازة جمال عبد الناصر حالة غير مسبوقة، حيث خرج الملايين في شوارع مصر ودمشق والعديد من العواصم، في مشهد لم يحدث قبل عبد الناصر أو بعده في المنطقة العربية.
حول مشهد وفاة عبد الناصر، قال الكاتب السياسي العُماني زاهر المحروقي، في تصريح لـ"
سبوتنيك" بمناسبة الذكرى الـ56 لرحيل الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، إن مشهد جنازته لا يزال "مرجعاً لا يتكرر في التاريخ العربي الحديث"، مؤكداً أن الملايين التي خرجت إلى الشوارع لم تكن تودّع رجلاً فحسب، بل كانت تودّع مشروعاً سياسياً وقومياً متكاملا.
وأضاف المحروقي: "لم يكن خروج الملايين مجرد حزن على رئيس توفي بأزمة قلبية عن عمر ناهز 52 عاماً، بل كان حزناً على فكرة أن العربي يمكن أن يقول: لا".
وأوضح أن جنازة عبد الناصر، التي جرت في 28 سبتمبر/أيلول 1970، شهدت خروج الملايين في القاهرة، إلى جانب حشود في بيروت ودمشق وبغداد والخرطوم وعدن، مشيراً إلى أن "حتى الذين اختلفوا معه خرجوا لتوديعه، لأنه كان في وعي الناس الرجل الذي أعاد إليهم الكرامة بعد الاستعمار، وأمّم قناة السويس، وبنى السد العالي، وجعل التعليم المجاني والوظيفة حقاً، ورسّخ فلسطين باعتبارها قضية كل بيت".
وأشار الكاتب السياسي العُماني إلى أن حجم المشاركة الشعبية في التشييع كان لافتاً، خصوصاً أن هزيمة عام 1967 لم تكن قد مضى عليها سوى ثلاث سنوات، قائلاً إن "بكاء الناس في الشوارع لم يكن حزناً فقط، بل كان خوفاً من سؤال: ماذا بعد؟ وكأنهم شعروا بأن المنطقة ستدخل بعده في فراغ كبير، وهذا ما حدث فعلاً".
وحول استمرار حضور عبد الناصر في الذاكرة العربية، قال المحروقي إن مكانته "لا تزال قائمة وتتجدد كل يوم وفي كل مناسبة".

28 سبتمبر 2021, 10:34 GMT
ويرى أن جيل الستينيات والسبعينيات يراه زعيماً لا يتكرر، فيما يحب جيل اليوم خطابه ومواقفه من الولايات المتحدة وإسرائيل والاستعمار، لكنه يناقش أخطاء تجربته، ولا سيما فشل مشروع الوحدة العربية.
وتابع: "مع ذلك، إذا قارنت أي استطلاع للرأي العربي حول أكثر زعيم عربي يحظى بالاحترام في القرن الماضي، فسيبقى عبد الناصر في المركز الأول، من المحيط إلى الخليج، حتى لدى من لم يعاصروه. صورته لا تزال حاضرة في المقاهي وسيارات الأجرة، واسمه حاضر في كل مظاهرة قومية، رغم حملات التشويه الممنهجة ضده من الداخل والخارج".
ورأى المحروقي أن سبب استمرار هذه المكانة يعود إلى أن عبد الناصر كان الوحيد الذي استطاع أن يخاطب العربي من مراكش إلى مسقط باللغة نفسها والحلم نفسه، وهذا لم يتكرر.
وعن مدى ارتباط أفكار عبد الناصر بالواقع العربي الراهن، قال المحروقي إن الرئيس المصري الراحل كان يرى ما نعيشه اليوم إلى حد كبير، مشيراً إلى ثلاثة تحذيرات رئيسية طرحها بوضوح.
وأوضح أن التحذير الأول تمثل في انتقال النفوذ الاستعماري من بريطانيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة، قائلاً: "كان عبد الناصر يرى أن الصراع مع الاستعمار انتهى شكله العسكري وبدأ شكله الاقتصادي والنفطي، وهذا ما نعيشه اليوم في صراعات الممرات والغاز والمضائق".
أما التحذير الثاني، بحسب المحروقي، فكان يتعلق بإسرائيل، موضحاً: "كان يرى أن
إسرائيل تريد أن تمتد من النيل إلى الفرات، ليس بالاحتلال وحده، بل عبر التطبيع الاقتصادي، وكان يحذر من أن الخطر لا يكمن فقط في حربي 1948 و1967، وإنما في أن تتحول إسرائيل إلى مركز اقتصادي وتكنولوجي يجعل العرب تابعين لها، وهذا ما حدث"، وفق تعبيره.
وأشار إلى أن التحذير الثالث تمثل في غياب الوحدة العربية، قائلاً إن عبد الناصر كان يؤكد أن "الوحدة العربية هي السلاح الوحيد"، مضيفاً: "لو نظر اليوم إلى المنطقة، لوجد أنها مقسمة أكثر من أي وقت مضى؛ كل دولة تتفاوض منفردة، وكل مضيق وكل قناة باتت عرضة لمزاد دولي، وهذا تحديداً ما كان يخشاه".

28 سبتمبر 2020, 14:55 GMT
ولفت المحروقي إلى أن عبد الناصر كان يراهن على قدرة الوعي الشعبي على منع هذه التحولات، مستدركاً: ربما لم يتوقع أن تنشغل الشعوب بلقمة العيش إلى درجة تنسى معها مشروعها القومي.
فيما قال الكاتب والباحث خميس القطيطي، في حديث لـ"سبوتنيك"، إن الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر ما زال حاضراً في الذاكرة العربية، بعد مرور 56 عاماً على رحيله، مشيراً إلى أن صوره لا تزال مرفوعة في المناسبات القومية العربية وفي الساحات العربية، بما في ذلك فلسطين.
وأضاف القطيطي أن عبد الناصر مثّل مشروعاً عربياً ناضل من أجله طوال فترة توليه الحكم في الجمهورية العربية المتحدة، وحقق منجزات على صعيد دعم الثورات العربية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية، لافتاً إلى أن الجماهير العربية ما زالت تستذكر ما قدمه من أجل القضايا العربية.
وحول خروج الملايين في جنازة جمال عبد الناصر، قال القطيطي إن هذه الهبة الجماهيرية مثّلت "وفاءً وارتباطاً بصاحب المشروع العروبي الوطني"، موضحاً أن الجماهير خرجت لتعبّر عن فقدان زعيم "يصعب تكراره".
وأضاف أن الحشود التي خرجت في القاهرة والمدن المصرية والعربية شكّلت استفتاءً شعبياً على مكانة عبد الناصر، وشبّه ذلك بالاستفتاء الذي أعقب هزيمة عام 1967، عندما أعادت الجماهير المصرية عبد الناصر إلى الحكم بعد إعلانه الاستقالة.
وتابع القطيطي أن استمرار الجماهير العربية في رفع صور عبد الناصر، بعد أكثر من نصف قرن على رحيله، يؤكد أنه لا يزال حاضراً في الذاكرة العربية، باعتباره ممثلاً لمشروع الوحدة العربية، حتى إن لم تكن الوحدة بمفهومها الفيدرالي، فضلاً عن دعوته إلى التضامن والتعاون والتكامل العربي ومناصرة القضايا العربية والقضية الفلسطينية.
وفي سياق حديثه عن التطورات العربية، قال القطيطي إن
عبد الناصر كان قد حذّر قبل رحيله من أن "يأتي يوم تنكسر فيه القناعات والمبادئ من خلال التطبيع مع إسرائيل"، مضيفاً أن ما وصفه بالتطبيع والاتفاقيات أدى، برأيه، إلى تمكين إسرائيل من التحكم في المشهد العربي، في ظل استمرار الدعم الدولي لها.
وأشار إلى أن ما يحدث في فلسطين من "مجازر وعدوان"، إلى جانب تراجع التعاضد والتعاون والتكامل والتضامن العربي، يمثل "مأساة تمر بها الأمة"، معرباً عن أمله في أن تستعيد الأمة العربية دورها في الدفاع عن مقدساتها ومشروعها.