ترك برس
في مقاله نشره موقع «خبر7»، يروي الكاتب إسماعيل وفا آق تفاصيل زيارته إلى دمشق خلال الفترة من 13 إلى 16 أيلول/سبتمبر للمشاركة في معرض «إعمار 2026». ويصف أجواء المعرض الذي شهد مشاركة كثيفة من تركيا والسعودية، حيث أتيحت له فرصة اللقاء بشركات ومستثمرين وممثلين عن هيئة الاستثمار السورية.
ويشير الكاتب إلى أن آثار الحرب لا تزال واضحة في تخطيط المدينة وخدمات البلدية وقطاع النقل، غير أن الحياة مستمرة، فالناس يبحثون عن فرص العمل ويرغبون في الإنتاج والتجارة، وهو ما يشعر به المرء بوضوح عند التجول في الشوارع.
ويرى آق أن سوريا تستعد للنهوض من تحت الرماد بعد الدمار الذي خلفته الحرب، وأن هذه الولادة الجديدة ستُحدث حركة اقتصادية كبيرة ليس في سوريا فحسب، بل في اقتصاد المنطقة بأسرها. ويؤكد أن معرض «إعمار 2026» لم يكن مجرد فعالية لعرض الشركات، بل ساحة نُوقشت فيها مشاريع جديدة وشراكات محتملة.
ويعبّر عن سعادته برؤية الثقل التركي الواضح في مختلف المجالات، حيث شاركت وزارة النقل وهيئة إدارة الهجرة وجمعية موصياد وهيئة الإسكان الجماعي (توكي) وممثلو قطاعات عديدة وشركات تركية كثيرة، إلى جانب 45 مؤسسة من تركيا ودول الخليج.
ويوضح الكاتب أن تركيا تمتلك خبرة قوية في مجالات التحول الحضري والإسكان الاجتماعي والهندسة، وأن المعرض شكّل فرصة كبيرة لمشاركة هذه الخبرة مع الجانب السوري وفتح آفاق عمل جديدة للشركات التركية. ويذكر أن وزير التجارة التركي زار دمشق قبيل المعرض، وأن وزير الخارجية هاكان فيدان كان موجوداً في المدينة خلال أيام زيارته.
كما يلفت إلى اهتمام سعودي مكثف فاجأه، إذ كانت الشركات السعودية حاضرة في قطاعات متنوعة تتجاوز الصورة التقليدية المرتبطة بالنفط والحج والعمرة. ويخلص إلى أن حركة أعمال واستثمار جادة قد بدأت في دمشق، وأن تركيا تقف في قلب هذه الحركة.
وينتقل آق إلى استشراف الطريق أمام سوريا، مستذكراً تجارب دول أخرى خرجت من الحروب. فيشير إلى أن العراق استقبل موارد ضخمة وتحقق فيه قدر من الاستقرار الأمني، لكن المشاريع الكبرى لم تنعكس بالقدر المأمول على الحياة اليومية ومستوى معيشة الناس.
أما في البوسنة والهرسك فقد أُعيد بناء المدن بدعم خارجي وعادت الحياة، غير أن الاقتصاد والسياسة والمؤسسات لم تتعافَ بالسرعة نفسها، وما زال كثير من الشباب يبحثون عن مستقبلهم في الخارج. وفي أوكرانيا، حيث الحرب لا تزال مستمرة، يؤكد أن إعادة الإعمار المستقبلية لن تقتصر على بناء المنازل والطرق، بل ستتحدد بنجاح تحويل الاستثمارات إلى إنتاج وفرص عمل دائمة.
ويرى الكاتب أن ما شاهده في دمشق دفعه إلى التفكير في هذه التجارب، مشدداً على أن أمام سوريا حركة إعادة إعمار قوية ونافذة فرص واسعة. ويذكر أن قطاع البناء لطالما كان قاطرة الاقتصاد، إذ إن إقامة أي ورشة عمل لا تقتصر على المقاول، بل تحرّك معها موردي المواد وشركات النقل والقطاع المالي والخدمات.
ولذلك فإن عملية إعادة الإعمار في سوريا ستمنح الاقتصاد الوطني دفعة قوية، لكن المرحلة الأهم تبدأ بعد ذلك، وهي بناء سوريا لا يهاجر شبابها بحثاً عن العمل، ويسود فيها اقتصاد إنتاجي، ويتحقق فيها رفاه دائم.
وفيما يتعلق بدور تركيا، يؤكد آق أن النظرة التركية إلى سوريا لا ينبغي أن تقتصر على المقاولات. صحيح أن الخبرة التركية في المقاولات ومواد البناء والبنية التحتية قوية جداً، إلا أن تركيا تتمتع بمزايا إضافية مثل القرب الجغرافي والقدرة اللوجستية والروابط الثقافية وتنوع الإنتاج. لذا يجب ألا يكون الهدف مجرد الحصول على مشاريع أو زيادة الصادرات.
ويقترح أن تدرس القطاعات التركية التي تعاني ضغط التكاليف الهيكلية، وفي مقدمتها النسيج، خيار سوريا بجدية، دون أن يعني ذلك مغادرة تركيا، بل الإبقاء على التصميم والتمويل والعلامة التجارية والإدارة والتوريد في تركيا، مع إنشاء قاعدة إنتاج وسوق جديدة في سوريا. ويشير إلى أن خط حلب يشكل امتداداً طبيعياً للمنظومة الصناعية واللوجستية في جنوب تركيا، وأنه بات بديلاً يستحق الدراسة الجادة بعد تجارب سابقة توجهت إلى مصر.
ويختم الكاتب بالقول إن سوريا لا يمكن النظر إليها من نافذة الحرب والدمار فحسب، فتربتها وأسواقها ومساجدها وشوارعها تحتفظ بذاكرة حضارة عظيمة، يستشعرها المرء في المسجد الأموي وضريح صلاح الدين الأيوبي ومقام ابن عربي. كما أن آثار السلطان عبد الحميد الثاني لا تزال حاضرة في محطة سكة حديد الحجاز وخطوط التلغراف واسم سوق الحميدية.
ويقر بأن الطريق أمام سوريا طويل وشاق، لكنه يستنتج من رغبة الشباب في العمل وحركة رجال الأعمال الأتراك واهتمام رؤوس الأموال الإقليمية أن مرحلة جديدة قد بدأت فعلاً. ويضيف أن تركيا تمتلك بالفعل ثقلاً سياسياً وعسكرياً كبيراً في المنطقة، وما عليها الآن هو ترسيخ هذا الثقل في المجال الاقتصادي عبر استثمارات متنوعة وطويلة الأمد.