ترك برس
لا تبدو أفلام الأبطال الخارقين والملاحم الإغريقية للوهلة الأولى مادة مناسبة لتحليل السياسة الخارجية الأمريكية، لكن الكاتب والمحلل التركي قدير أُستون يرى أن فيلمي «سبايدرمان: يوم جديد تماما» (Spider-Man: Brand New Day) و«أوديسي» (Odyssey) يقدمان، رغم اختلاف قصتيهما، انعكاسا لأسئلة أمريكية أعمق حول القوة والحرب والعدو والمسؤولية الدولية.
وفي مقال نشرته صحيفة يني شفق التركية، يقرأ أُستون العملين من زاوية علاقة الولايات المتحدة بقوتها وموقعها في النظام الدولي، معتبرا أن التحولات التي طرأت على شخصية البطل الخارق، إلى جانب أسئلة المخرج كريستوفر نولان حول آثار الحرب والانتصار، تعكس تحولا في النظرة الأمريكية إلى استخدام القوة وحدودها.
ويرى الكاتب أن الرسالة القديمة التي ارتبطت بشخصية سبايدرمان، والقائلة إن «القوة الكبيرة تفرض مسؤولية كبيرة»، تكتسب اليوم معنى جديدا، يتمثل في أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة أن المختلف أو غير المألوف يمثل عدوا يجب القضاء عليه.
القوة الكبيرة.. مسؤولية كبيرة
يستعيد أُستون المقولة الشهيرة التي تعلمها بيتر باركر، الذي جسده توباي ماغواير، من عمه بن، والتي أصبحت واحدة من أشهر العبارات في أدبيات البطولة الأمريكية: القوة الكبيرة تأتي معها مسؤولية كبيرة.
ويربط الكاتب هذه الفكرة بالجدل الذي رافق موقع الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة وتحولها إلى القوة العظمى الوحيدة في العالم.
فمع اتساع النفوذ الأمريكي، برز سؤال حول ما إذا كانت القوة الدولية الكبرى تحمل معها مسؤولية أخلاقية للتدخل في الأزمات الدولية، خصوصا في مناطق مثل البوسنة وكوسوفو.
وفي المقابل، ظهرت أصوات تحذر من تحول الولايات المتحدة إلى «شرطي العالم»، وترفض فكرة أن القوة العسكرية الأمريكية يجب أن تستخدم في كل أزمة دولية.
لكن أُستون يرى أن الفارق بين امتلاك القدرة على استخدام القوة والقدرة على التحكم في نتائج استخدامها أصبح أكثر وضوحا بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول والحروب التي تلتها.
من «أوبنهايمر» إلى السؤال عن نتائج القوة
ويستحضر الكاتب فيلم «أوبنهايمر» للمخرج كريستوفر نولان، الذي تناول قصة تطوير القنبلة الذرية وما ترتب عليها من تحولات تاريخية.
فقد تمكنت الولايات المتحدة من حشد إمكاناتها العلمية والاقتصادية والتكنولوجية لإنتاج سلاح غير مسبوق في قدرته التدميرية، لكن النجاح في تطوير السلاح لم يعن القدرة على التحكم في جميع نتائجه.
ومع ظهور السلاح النووي، برزت أسئلة جديدة حول كيفية استخدام هذه القوة، وإمكانية السيطرة على آثارها، وما الذي سيحدث عندما تتمكن القوى المنافسة من امتلاك القدرات نفسها.
ويرى أُستون أن هذه المعضلة لا تقتصر على السلاح النووي، بل ظهرت أيضا في تجارب السياسة الخارجية الأمريكية خلال ربع القرن الماضي.
فقد تمكنت واشنطن من إسقاط نظام طالبان في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق بسرعة نسبية، وطورت قدرات استخباراتية وتكنولوجية تمكنها من استهداف قادة الجماعات المسلحة في مناطق مختلفة من العالم.
لكن التفوق العسكري والتكنولوجي لم يؤد بالضرورة إلى النتائج السياسية التي أرادتها الولايات المتحدة، كما لم تتمكن واشنطن من بناء أنظمة مستقرة ومستدامة في جميع الحالات.
الانتصار ليس نهاية الحرب
ينتقل الكاتب إلى فيلم «أوديسي»، الذي يتناول شخصية أوديسيوس، أحد أبرز قادة حرب طروادة، والذي يخرج منتصرا من الحرب قبل أن تبدأ رحلته الطويلة والشاقة إلى الوطن.
لكن أهمية القصة، بحسب أُستون، تكمن في أن الانتصار العسكري لا يمثل نهاية الحكاية، بل بداية مرحلة جديدة.
فأوديسيوس لا يواجه فقط صعوبات العودة الجسدية إلى الوطن، وإنما يحمل معه آثار الحرب النفسية والأخلاقية، والشعور بالذنب والعبء الناتج عن أفعاله، فضلا عن صعوبة العودة إلى حياته السابقة.
ويرى الكاتب أن هذا الجانب يمثل امتدادا للسؤال الذي طرحه نولان في «أوبنهايمر»: ماذا يحدث بعد امتلاك القوة واستخدامها؟
فإذا كان «أوبنهايمر» يركز على لحظة امتلاك القوة والنتائج التي لم يتمكن صانعوها من التحكم فيها بالكامل، فإن «أوديسي» يركز على الحياة مع نتائج استخدام تلك القوة بعد انتهاء المعركة وتحقيق الانتصار.
العراق وأفغانستان.. ماذا يحدث بعد الانتصار؟
ويعتبر أُستون أن التجربتين الأمريكية في العراق وأفغانستان تقدمان مثالا واضحا على هذه المعضلة.
فقد نجحت الولايات المتحدة عسكريا في المراحل الأولى من عملياتها في البلدين، لكنها واجهت صعوبة أكبر في تحقيق النتائج السياسية التي كانت تسعى إليها بعد انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية.
ويرى الكاتب أن السؤال نفسه يطرح اليوم بشأن إيران، إذ إن التفوق العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة القدرة على فرض النتيجة السياسية المرغوبة.
ويشير إلى أن غياب التخطيط الكافي لما بعد العمليات العسكرية، إلى جانب صعوبة إدارة النتائج المباشرة وغير المباشرة التي قد تنتج عن الحرب، يمكن أن يحول الانتصار العسكري إلى مسار يغير القوة المنتصرة نفسها.
وبحسب أُستون، فإن أكثر من عقدين من الحروب أثرا في نظرة الأمريكيين إلى فكرة المسؤولية الأخلاقية العالمية، كما أضعفا الثقة بالنخب التي تبنت فكرة أن القوة العسكرية قادرة على حل المشكلات السياسية أو أن الولايات المتحدة تستطيع إعادة تنظيم العالم وفقا لرؤيتها.
هل كل مختلف يمثل تهديدا؟
أما فيلم سبايدرمان الجديد، فيفتح، وفقا للكاتب، سؤالا مختلفا لكنه مرتبط بالمشكلة نفسها: كيف تحدد القوة من هو العدو؟
ويشير أُستون إلى شخصية جين غراي، التي تظهر في البداية بوصفها شخصية خطيرة وغير قابلة للتنبؤ، بينما تحاول مؤسسة «دميج كونترول» السيطرة عليها والقضاء على قدرتها.
لكن تطور القصة يكشف أن غضب الشخصية يتفاقم بفعل التدخلات التي تتعرض لها، في حين يختار سبايدرمان محاولة فهم صدمتها بدلا من القضاء عليها، بل يكون مستعدا للتضحية بنفسه من أجلها.
ويرى الكاتب أن هذه القصة تقدم استعارة لواحدة من أهم قضايا السياسة الخارجية: هل يمثل كل مختلف تهديدا؟
فالقوى الكبرى، ومنها الولايات المتحدة، تميل أحيانا إلى النظر إلى الأنظمة والأيديولوجيات والرؤى الإقليمية التي تختلف عنها باعتبارها مصادر محتملة للتهديد.
بين الصين وتركيا والسعودية.. عالم أكثر تعددية
ويشير أُستون إلى أن الصين لا تبدو مستعدة لتبني النموذج الليبرالي الأمريكي، كما أن دولا مثل تركيا والسعودية والبرازيل وإندونيسيا تسعى بصورة متزايدة إلى التركيز على أولوياتها الاستراتيجية الخاصة.
كما تبحث دول حليفة للولايات المتحدة في أوروبا وآسيا عن قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.
لكن الكاتب يلفت في الوقت نفسه إلى أن الاختلاف لا يعني دائما غياب التهديد؛ فروسيا، على سبيل المثال، تظهر أن الاختلاف يمكن أن يترافق بالفعل مع سلوك عدواني.
ومن هنا تكمن المعضلة الأساسية، بحسب أُستون، في القدرة على التمييز بين الاختلاف الحقيقي والتهديد الحقيقي.
فعدم القدرة على إجراء هذا التمييز قد يدفع القوة الكبرى إلى التعامل مع أطراف لا تمثل تهديدا مباشرا باعتبارها أعداء، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى تعزيز شعورها بالتهديد ودفعها إلى سلوكيات كانت القوة الكبرى تحاول منعها أصلا.
وهنا ينشأ ما يعرف بـ«المعضلة الأمنية»، حيث يؤدي سعي طرف إلى تعزيز أمنه إلى زيادة شعور الطرف الآخر بالخطر.
القوة لها حدود
يرى أُستون أن أفلام نولان وتحول شخصية سبايدرمان تلتقي عند نقطة أساسية: القوة لا تعني القدرة على التحكم في كل نتائج استخدامها.
فـ«أوبنهايمر» يطرح صعوبة توقع نتائج امتلاك قوة هائلة، بينما يؤكد «أوديسي» أن الانتصار العسكري ليس نهاية القصة، وأن المشاكل السياسية والإنسانية قد تبدأ بعد انتهاء الحرب.
أما سبايدرمان، فيطرح مشكلة أخرى تتمثل في أن تعريف الطرف المختلف باعتباره عدوا قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة بدلا من حلها.
وبالتالي، لا يرى الكاتب أن هذه الأفلام صُنعت لتقديم رسائل مباشرة حول السياسة الخارجية الأمريكية، لكنه يعتبرها انعكاسا لتحولات أوسع في الثقافة الشعبية الأمريكية وفي نظرة البلاد إلى قوتها وهويتها ودورها الدولي.
من «الانتصار» إلى إدارة نتائجه
ويخلص أُستون إلى أن صورة الانتصار في الأدبيات الأمريكية الحديثة أصبحت أقل بساطة مما كانت عليه سابقا؛ فلم يعد القضاء على الخصم يعني بالضرورة حل المشكلة، كما أن امتلاك القوة لا يعني القدرة على التحكم في نتائج استخدامها.
ومن هذه الزاوية، يذكّر «أوديسي» بأن الانتصار في الحرب لا يضمن العودة إلى الحياة السابقة، بينما يذكّر سبايدرمان بأن امتلاك القوة لا يعني ضرورة جعل الآخرين نسخة منك.
ويرى الكاتب أن هذا هو السؤال الأهم الذي تواجهه السياسة الخارجية الأمريكية اليوم: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تكون قوة تستخدم نفوذها بمسؤولية، وتدير نتائج استخدام القوة، وفي الوقت نفسه تتعايش مع قوى وأطراف لا تشبهها ولا تتبنى رؤيتها للعالم؟