النظام الذي أُقيم في مكة

ترك برس

النظام الذي أُقيم في مكة

  • منذ 18 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
حسن حسين أوز - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس
النظام العالمي يكشف عن نقاط ضعفه. فبينما يتفكك النظام أحادي القطب، لم يُقم نظام جديد بعد. وقد وجهت الولايات المتحدة أنظارها نحو الصين. وأوروبا استولى عليها الخوف من روسيا. وحلف شمال الأطلسي «الناتو» ما زال قائماً، لكن المركز القديم الذي كان يدير كل أزمة لم يعد موجوداً. وفي الشرق الأوسط، تُكتب قواعد الاشتباك داخل الحرب.
وقد وُلدت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقعة بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان في ظل هذا الفراغ. وتنص على أن الهجوم المسلح على أي من الدول الثلاث يُعتبر هجوماً عليها جميعاً. وهذا أكثر من مجرد عبارة تضامن مكتوبة على الورق. إنه إعلان من ثلاث قوى إقليمية مفاده: «لا يمكننا أن نترك أمننا للقرارات التي ستأتي من الخارج».
والهيكل الذي أُقيم في مكة ليس درعاً سلبياً يُفتح عند وقوع هجوم. فهنا تلتقي الخبرة العسكرية والصناعة الدفاعية لتركيا، والقوة الطاقوية والمالية للمملكة العربية السعودية، والعمق الاستراتيجي لباكستان. ولا يمكن وصف الاتفاقية بأنها «ميثاق نووي». لكن القدرة النووية لباكستان ستدخل في الحسابات.
ربطت المملكة العربية السعودية أمنها بالمظلة الأمريكية لسنوات. وأظهرت الأزمات الأخيرة أن تلك المظلة يمكن أن تُغلق عندما يبدأ المطر. فالدولة التي تقود «رؤية 2030» لم يكن بوسعها أن تترك منشآتها النفطية وموانئها ومدنها الجديدة لدعم سيأتي من بعيد. ولذلك، تعزز الرياض أمنها بقوة المنطقة.
أصيب «الإيرانيون» في الداخل بالحساسية فوراً؛ كما رفع الصهاينة أصواتهم كعادتهم. وبالطبع، تزداد حساسيتهم عندما تدخل تركيا في الأمر. والقلق المشترك لهذين التشكيلين اللذين يبدوان متعاديين في الظاهر، يتمثل في أن «ميثاق مكة» ظهر في مواجهة فوضاهما التكافلية بفكرة النظام.
ويمتد طرف المسألة إلى سعر الخبز. فعندما يضيق الخناق في مضيقي هرمز وباب المندب، تتحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح. وتطول الرحلة شهراً؛ وتُضاف تكاليف بملايين الدولارات إلى بعض شحنات النفط. وترتفع تكاليف الشحن والوقود والتأمين ضد الحرب. ولا تبقى تلك الأموال في الميناء؛ بل تصل إلى البنزين والأسمدة والأسعار الموضوعة على السلع في الأسواق.
وهنا يظهر الأفق المتسع لتركيا التي تعزز سيادتها من خلال زيادة استقلاليتها داخل النظام. ويقدم «طريق التنمية» الممتد من البصرة عبر العراق إلى تركيا بديلاً برياً للاختناق البحري. كما يتحول «الممر الأوسط» الممتد من الصين عبر تركستان وبحر قزوين والأناضول إلى أوروبا، إلى أحد الفروع المهمة لمبادرة الحزام والطريق. أما «الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان» وميناء غوادر في باكستان، فينقلان الصين أيضاً إلى المحيط الهندي.
وتقرب «اتفاقية مكة» هذه الأجزاء من بعضها بعضاً على المستوى الأمني. ويلتقي الحزام التركي الممتد عبر الأناضول والقوقاز وتركستان، جنوباً، مع محور الرياض وإسلام آباد. وهكذا، لا تكتفي تركيا بإقامة جسر بين الشرق والغرب، بل تصبح مركزاً تتقاطع فيه طرق الشمال والجنوب والشرق والغرب.
وتجري المنافسة الأمريكية-الصينية أيضاً على هذه الخطوط: الموانئ، وطرق الطاقة، والسكك الحديدية، وشبكات البيانات. ولا تنتقل تركيا من كتلة إلى أخرى. فهي تحافظ على موقعها في الناتو، بينما توسع مجال حركتها؛ فتتحدث مع الصين بشأن الممرات، ومع الخليج بشأن الأمن، وتقيم شبكة مواصلات مع العالم التركي.
وخلاصة القول، بينما تتكسر خطوط الصدع في النظام القديم، انتقل مركز الثقل في المنطقة في مكة. وقد أوجد هذا التوقيع إطاراً مؤسسياً يوسع الأفق الأمني لتركيا من العالم التركي إلى الخليج، ومن المحيط الهندي إلى طرق التجارة العالمية.
وبرأيي، فإن الأهم هو الآتي...
فهذا المحور الثلاثي، الذي يُحتمل أن يتوسع مستقبلاً، يمثل إرادة منطقة لا تكتفي بالاستجابة للأزمات التي تُدار من الخارج، بل تسعى إلى بناء أمنها ومستقبلها الاقتصادي معاً.
 


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>