ندرت إرسانيل - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
لنبدأ من جنوب القوقاز؛ إذ نلاحظ مجدداً أن المنطقة تنزلق نحو الغرب...
ولمن لم يدرك أن اتساع رقعة الحرب حتى بحر قزوين يحمل رسالة استراتيجية، وأنه ينقل التوترات الجيوسياسية إلى المنطقة، فلنذكره بأن يوم 25 يوليو/تموز لم يشهد فقط استهداف أوكرانيا لسفينة إيرانية، بل شهد هجوماً آخر أيضاً...
ففي اليوم نفسه، "قصفت صواريخ أمريكية مقر القوات البحرية في منطقة زيبا كنار التابعة لمحافظة جيلان المطلة على بحر قزوين. كما أفاد مسؤولون في المحافظة بأن الصواريخ الأمريكية استهدفت أيضاً مدينة بندر أنزلي، وهي مدينة ميناء حيوية". ("US, Iran continue exchanging strikes as path to de-escalation remains uncertain"، 25/07، CGTN).
هل رأيتم هذا في صحفنا؟ أو في الصحف الغربية؟ أم أن هذه الهجمات مجرد استثناء؟
لم تعد العلاقات بين أذربيجان وإيران "طبيعية". وهي ليست كذلك منذ حرب أرمينيا. فطهران، وبفعل تأثيرات الحرب أيضاً، تنظر إلى باكو وترى فيها إسرائيل. وتعتبرها سبب الضغوط القادمة من شمالها. وبطبيعة الحال، لا يمكننا أيضاً تجاهل أن تزايد نفوذ الغرب، وبريطانيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي في جنوب القوقاز، أوجد مساراً أضعف روسيا في هذه المنطقة، ولا سيما في أذربيجان وأرمينيا...
واليوم وصلت الأمور إلى حد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال لرئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، خلال آخر اتصال هاتفي بينهما: "إما نحن أو أوروبا، اتخذ قرارك". (صحيفة حرييت، 29/07). وهذا إنذار نهائي...
وبالطبع، فإن العلاقات التركية - الروسية هي العامل الحاسم. فعند تقييم المنطقة، تأخذ كل من موسكو وطهران في الحسبان التقارب التركي - الأذربيجاني. كما نعلم أن كلا البلدين يحملان جراحاً خلفتها سوريا...
ولا شك أن سبب اندفاع الغرب نحو جنوب القوقاز هو روسيا. ومن السذاجة القول إن ذلك لا ينطوي على أبعاد استخباراتية يمكن أن تمتد إلى عمق الأراضي الروسية وتستغل نقاط ضعفها، أو الادعاء بأن ما يجري في بحر قزوين مجرد صدفة، أو، والأدهى من ذلك، الزعم بأن الحربين في أوكرانيا وإيران لا تلتقيان في بحر قزوين/جنوب القوقاز. لقد أصبحت المنطقة تشكل مصدر ضغط على روسيا. وكان ذلك هجوماً منظماً، جرى التخطيط له مسبقاً، ومن الواضح أنه وسّع أيضاً ساحة الحرب...
وكان أمن المنطقة حتى حرب أذربيجان وأرمينيا يجري تحت المظلة الروسية. ثم اكتسبت تركيا دوراً أكبر، وتغير السياق الجيوسياسي للمنطقة. وكانت تلك عملية تستحق التقدير دائماً من جانب أنقرة، وهي عملية ذات قيمة كبيرة...
ثم بدأ الغرب يركز اهتمامه على هذه المنطقة. وكان الاتفاق الثلاثي بين الولايات المتحدة وأذربيجان وأرمينيا، الذي جرى في البيت الأبيض خلال أغسطس/آب الماضي، أحد أخطر التحديات التي وجهتها الولايات المتحدة والغرب إلى روسيا. وماذا يمكن أن يكون ختم زنغزور باسم "ممر ترامب" سوى ذلك؟
قد تشعر روسيا أو إيران بالقلق من هذا الوضع إلى أي مدى تشاءان. لكن ما يعنينا نحن هو "ارتباطات" تركيا في العراق وسوريا وإيران، وقبرص/شرق المتوسط، والخليج، وشمال إفريقيا، وجنوب القوقاز، والبحر الأسود! فهل يجري تشويه منظومة الأمن الجماعي لبحر قزوين ومحيطه بالنسبة إلى روسيا وإيران أم لا؟ وهل يناسبنا ذلك أم لا؟ وهل تتماشى التطورات الجارية في عموم المنطقة مع هذا المسار؟
والآن، دعونا نحاول قراءة "اتجاهات" المنطقة من خلال الاكتفاء باقتباس عناوين بعض الأخبار المتزامنة...
"الولايات المتحدة والسعودية تضربان العراق: الميليشيات المدعومة من إيران في مرمى الاستهداف"، "مقتدى الصدر يهاجم الميليشيات المقربة من إيران بشدة: إنها تجر العراق إلى الحرب"، "دول الخليج تدعم السعودية: الهجمات انتهاك للسيادة"، "الحكومة العراقية تعلن: مزاعم بوجود صلة أوكرانية بالهجمات التي استهدفت الخليج"، "الصراع يمتد إلى مصر: هجوم على ميناء دمياط"، "تعليق خطة ممر IMEC الإسرائيلي الذي يتركز على حيفا. وتقدم مشاريع تركيا والإمارات والسعودية والعراق التي تستبعد إسرائيل"، "السفير باراك: نعمل على مشروع استراتيجي مع العراق وسوريا والأردن وتركيا ولبنان ومصر"، "الأمين العام للأمم المتحدة يخاطب الزعيمين التركي والقبرصي اليوناني في قبرص: المنطقة دائرة من النار، توصلوا إلى اتفاق!"، "التقارب بين أنقرة والقاهرة يثير توتر تل أبيب"، "الحوثيون يهاجمون الرياض، وأوكرانيا تهاجم إيران"، "جبهة جديدة: اليمن"...
وأحدثها؛ "وافقت 14 دولة، بينها السعودية وباكستان وتركيا ومصر والسودان، على الانضمام إلى تحالف دفاعي بحري جديد يهدف إلى حماية الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة في البحر الأحمر". ("Saudi Arabia announces maritime defence coalition as Houthi attacks threaten Red Sea Route"، 31/07، فايننشال تايمز).
والأهم من ذلك؛ اتفاق "طريق التنمية" الذي وقعته تركيا مع العراق، وشراكتها في حقول نفط كركوك. ("شراكة استراتيجية مع BP في كركوك"، صحيفة حرييت، 30/07).
هذه هي أخبار الأسبوع الأخير. وهناك المئات منها خلال شهر واحد. ولو جمعناها كلها في خبر واحد، فما العنوان الذي ستختارونه؟
يمكننا القول إن مساحة جغرافية شاسعة تمتد من البحر الأسود إلى اليمن، ومن قبرص إلى الهند، ومن شرق أوروبا إلى بحر قزوين، يجري إعادة تصميمها من جديد، وإن الهدف النهائي هو روسيا والصين وإيران، وإن تركيا تؤدي دوراً فاعلاً في هذه الجغرافيا، بل يمكن القول إنها تلعب دوراً حاسماً...
وبالطبع، ينبغي أن نضيف أيضاً أن هذا نموذج صاغه الغرب. وهو يثير القلق. لكن من المبكر القول إنه "جيد أو سيئ". لأنني، بوصفي ممن كتبوا مبكراً وبكثرة عن أن مساعي البحث عن نظام عالمي جديد ستضع أمام تركيا فرصاً ومخاطر، وسجلت أيضاً أنه إذا أُديرت هذه المرحلة بصورة صحيحة فستحقق تركيا مكاسب كبيرة، أجد نفسي مضطراً للقول إن أحداً لا يستطيع حتى الآن قراءة المشهد على المديين المتوسط والبعيد. فما زالت الضبابية والمخاطر تحتفظ بقوتها، وهذا أمر طبيعي.
وما يمكن قوله هو أن أنقرة استطاعت حتى الآن تحويل التطورات إلى مزايا. فعلى سبيل المثال، كان شعار "تركيا بلا إرهاب" موجهاً بدرجة أكبر إلى سوريا والعراق وإيران. وكان الهدف منه منع استغلال الديناميكيات داخل هذه الدول من قبل أطراف أخرى واستخدامها ضد تركيا. وقد رأينا مثالاً ملموساً على ذلك في إيران. كما أن توقيت هذه السياسة ومستوى الاستشراف الذي انطوت عليه منحا الثقة بشأن المرحلة المقبلة. ويمكن لتركيا أن تواصل جني مكاسبها من جميع الاتجاهات بزاوية 360 درجة، من دون أن تصبح طرفاً في الحروب المحتملة أو الجبهات الآخذة في الاتساع...