نحو "الناتو 3.0".. تذكّر تسعينيات القرن الماضي

ترك برس

نحو "الناتو 3.0".. تذكّر تسعينيات القرن الماضي

  • منذ 3 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
د. عثمان غازي قندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
عندما انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991، كان أحد أكثر الأسئلة تداولًا في العواصم الغربية هو:
هل ما تزال تركيا دولة ضرورية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)؟
فعلى مدى نحو نصف قرن، كان دور تركيا داخل الناتو يُفسَّر إلى حد كبير بالتهديد السوفيتي. لكن الاتحاد السوفيتي انهار، وأصبح حلف وارسو جزءًا من التاريخ.
وبطبيعة الحال، كان كثيرون يعتقدون أن الأهمية الاستراتيجية لتركيا قد انتهت أيضًا. وكانت أوروبا تستعد لبناء هيكلها الأمني الجديد، فيما كان الناتو يحاول إعادة تعريف سبب وجوده.
غير أن هذا التقييم لم يدم طويلًا.
والمثير للاهتمام أن أول من قال إن أهمية تركيا لا تزال قائمة لم يكونوا صناع القرار الأتراك، بل الاستراتيجيين الأمريكيين.
فمنذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، بدأت التقارير الصادرة عن مراكز الفكر في واشنطن تؤكد أن تركيا لم تفقد الدور الذي كانت تؤديه طوال الحرب الباردة، بل اكتسبت معنى جيوسياسيًا جديدًا.
وكانت إحدى أولى الإشارات إلى هذا التحول دراسة نشرتها مؤسسة "راند" عام 1993، وحملت توقيع غراهام فولر وإيان ليسر. وقد رأى الاثنان أن الدور الذي اضطلعت به تركيا خلال الحرب الباردة لم ينته.
ووفقًا لهما، لم تعد تركيا مجرد دولة تحمي الجناح الجنوبي الشرقي للناتو، بل أصبحت، بحكم موقعها عند نقطة التقاء البلقان والبحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، إحدى الدول المحورية في المرحلة الجديدة.
وكانت النقطة التي لفت إليها فولر مهمة؛ إذ إن الحرب الباردة لم تُضعف أهمية تركيا، وإنما غيّرت سبب هذه الأهمية.
وكان هذا النهج يستند إلى ملاحظة بسيطة.
فقد اختفى الاتحاد السوفيتي، لكن جغرافية تركيا لم تتغير. فما زال البلقان هو البلقان، والقوقاز في مكانه، كما حافظ البحر الأسود والشرق الأوسط وحوض بحر قزوين على أهميتهم الاستراتيجية ذاتها. وما تغيّر هو العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي ينظر إلى هذه الجغرافيا.
وسرعان ما أصبحت تقييمات مماثلة رأيًا مشتركًا في الأوساط الاستراتيجية الأمريكية.
فقد رأى بول هينزه أن تركيا ستصبح أكثر قيمة بالنسبة للغرب مع دخول القرن الحادي والعشرين. أما ستيفن لارابي، فقد شدد على أن الجغرافيا السياسية لتركيا لم تتغير رغم انتهاء الحرب الباردة. فالبلقان والقوقاز والشرق الأوسط ما زالت في أماكنها، رغم زوال الاتحاد السوفيتي، وبالتالي فإن الموقع الاستراتيجي لتركيا حافظ على أهميته.
ولعل أكثر تقييمات تلك المرحلة لفتًا للانتباه جاءت من زبيغنيو بريجنسكي. ففي كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى» الصادر عام 1997، وصف تركيا بأنها إحدى "الدول المحورية جيوسياسيًا" في أوراسيا. ووفقًا لبريجنسكي، إذا كان لا بد من الحفاظ على توازن القوى في أوراسيا، فلا يمكن تجاهل تركيا. فتركيا الواقعة بين البلقان والقوقاز والشرق الأوسط لم تكن مجرد دولة إقليمية، بل أحد الفاعلين المهمين في صراع القوى العالمي.
ولم تبق هذه التقييمات على المستوى النظري.
فقد أظهرت أزمة الخليج، التي بدأت باجتياح العراق للكويت عام 1990، سريعًا سبب حاجة الولايات المتحدة إلى تركيا.
وأعاد استخدام قاعدة إنجرليك، وتطبيق العقوبات على العراق، والتطورات في شمال العراق، تركيا إلى مركز التخطيط الأمني الأمريكي.
كما عكست تصريحات الرئيس جورج بوش الأب هذا التوجه. فقد وصفت إدارة بوش تركيا مرارًا بأنها "حليف حاسم" و"شريك لا غنى عنه". وهكذا، فإن تركيا التي قيل إنها فقدت أهميتها بانتهاء الحرب الباردة، برزت مع أول أزمة كبرى بوصفها أحد أهم شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.
ثم اندلعت الحروب في البلقان.
وجعلت أزمتا البوسنة وكوسوفو دور تركيا داخل الناتو أكثر وضوحًا.
وفي الفترة نفسها، استمرت مشكلة قره باغ في القوقاز، وأصبح حوض بحر قزوين في قلب معادلة الطاقة، فيما كانت الدول المستقلة حديثًا في آسيا الوسطى تحاول الاندماج في النظام الدولي.
وجميع هذه التطورات أعادت الجغرافيا التي تقع فيها تركيا لتصبح واحدة من أهم المناطق الجيوسياسية في العالم.
وانعكس هذا المشهد أيضًا في الخطاب الذي ألقاه الرئيس بيل كلينتون خلال زيارته إلى تركيا عام 1999.
وأكد كلينتون أن تركيا تقع عند نقطة التقاء أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ولذلك ستؤدي دورًا محوريًا في تشكيل القرن الجديد.
وكان هذا التصريح في الواقع يمثل أوضح تلخيص سياسي للمقاربة الاستراتيجية التي تبلورت في واشنطن طوال تسعينيات القرن الماضي.
وانعكس كل ذلك أيضًا على مسار تحول الناتو.
فمع انتهاء الحرب الباردة، بدأ الحلف في تطوير نماذج جديدة للشراكة. ومن خلال برنامج "الشراكة من أجل السلام"، أقامت جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة والدول التي انفصلت عن يوغوسلافيا السابقة علاقات مؤسسية مع الناتو.
ومن اللافت أن تركيا كانت قد وقّعت اتفاقيات للتعاون العسكري مع هذه الدول قبل إقامة تلك العلاقات المؤسسية. ثم جاء "مبادرة إسطنبول للتعاون"، التي أُقرت خلال قمة إسطنبول عام 2004، لتؤسس نموذجًا جديدًا للشراكة مع دول الخليج.
وهكذا، كانت تركيا سببًا في إقامة الناتو شراكات مع العالمين التركي والإسلامي (على الأقل مع جزء منهما). ومن زاوية أخرى، فإن إرسال تركيا قوات إلى دول مثل الصومال والبوسنة وكوسوفو جرى أيضًا تحت مظلة الناتو.
وفي الوقت الذي كانت فيه الدول الأوروبية تخفض ميزانيات الدفاع، رفعت تركيا إنفاقها الدفاعي، وأعلنت خطة لشراء أسلحة بقيمة 150 مليار دولار. وتم التأكيد على فكرة أن "الدبلوماسية القوية تحتاج إلى جيش قوي يقف خلفها"، وبدأت الاستعدادات وفقًا لـ"استراتيجية الحربين ونصف".
وانفتحت تركيا على مجالها الحضاري والثقافي، لكن الغرب انزعج من اتساع نطاق نفوذها، فزاد دعمه لحزب العمال الكردستاني، وتوالت إجراءات الحظر والعقوبات.
ولا شك أن الذين عاشوا تلك المرحلة يعرفون أكثر بكثير مما ذكّرنا به هنا.
وعند النظر إلى الماضي، يمكن اعتبار تلك المرحلة ثاني أكبر مراحل تحول الناتو.
أما اليوم، فيدور الحديث عن دخول الحلف مرحلة تحول جديدة. فبسبب إعادة تطويق روسيا، وصعود الصين، وتغير البيئة الأمنية، يستخدم كثير من الخبراء مفهوم "الناتو 3.0".
ولا يمكن الجزم منذ الآن بكيفية تشكل هذه المرحلة الجديدة.
لكن التاريخ يقدّم تذكيرًا مهمًا.
ففي أوائل تسعينيات القرن الماضي، كان يُقال إن الناتو لم يعد بحاجة إلى تركيا.
وبعد بضع سنوات فقط، بدأت واشنطن نفسها تصف تركيا بأنها الدولة التي لا غنى عنها في الجغرافيا الممتدة من البلقان إلى القوقاز، ومن الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى.
واليوم أيضًا، يُناقش دور تركيا داخل الحلف بسبب سياستها الخارجية متعددة الأبعاد. وفي المقابل، يلفت الانتباه تقييم أساسي لم يتغير في الولايات المتحدة رغم تعاقب الإدارات:
ما يزال الناتو بحاجة إلى تركيا.
غير أن سؤال: "هل هذه الحاجة هي حاجة الناتو أم حاجة الولايات المتحدة؟" يستحق نقاشًا مستقلًا.
ولذلك، فإن الطريق إلى فهم نقاشات "الناتو 3.0" يمر عبر تذكّر الكيفية التي تأسس بها "الناتو 2.0".
فالتاريخ يطرح أحيانًا الأسئلة نفسها من جديد.
أما الإجابات، ففي كثير من الأحيان، لا تتغير بالقدر الذي يُعتقد.


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>