البعد الاقتصادي للسلام المستدام

ترك برس

البعد الاقتصادي للسلام المستدام

  • منذ 1 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ديدم أوزال تومر - ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس
العنوان الذي أحمله في هذا المقال كان موضوع النقاش خلال الاجتماع الذي نظمه المعهد الديمقراطي للتنمية (DPI) نهاية الأسبوع الماضي في جيزرة، باستضافة غرفة تجارة وصناعة جيزرة (CTSO) وغرفة تجارة وصناعة ديار بكر (DTSO).
كان الاجتماع مهمًا من ناحيتين. الأولى، توقيته، إذ عُقد في مرحلة دخلت فيها العملية الجارية تحت عنوان "تركيا بلا إرهاب" مرحلة العد التنازلي لإقرار الترتيبات القانونية. وكان لا بد من إطلاق نقاشات حول الأبعاد الاقتصادية المتعلقة بالتنمية والتطوير والتوظيف، وهي جوانب لا ينبغي إغفالها في هذه العملية، وذلك لجعلها تصل إلى نقطة اللاعودة. وقد أُظهرت إرادة واضحة في هذا الاتجاه. أما الناحية الثانية، فهي أنه جرى التأكيد منذ البداية على أن هذه العملية تعني أيضًا إقامة منطقة خالية من الإرهاب. وقد جاءت المشاركة في هذا الاجتماع داعمة لهذا التوجه، إذ كان من بين الحضور رؤساء غرف التجارة والصناعة في أربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة التابعة لإقليم كردستان العراق.
تذكير من المنطقة
أكد رئيس غرفة تجارة وصناعة جيزرة، عمر فاروق يلدريم، خلال الاجتماع، أن العملية لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمثل أيضًا فرصة لتحقيق تحول اقتصادي. وشدد على أن المنطقة بقيت طوال نصف قرن خارج دائرة المعادلة التي تقول: "إذا كان هناك سلام، فهناك تجارة. وإذا كانت هناك تجارة، فهناك إنتاج. وإذا كان هناك إنتاج، فهناك رفاه. وإذا كان هناك رفاه، فهناك استقرار."
أما كلمات رئيس غرفة تجارة وصناعة ديار بكر، محمد كايا، فقد جاءت مكملة لما طرحه يلدريم. وقال كايا: "في هذا البلد، لا تزال قيمة الأرباح التي يجلبها السلام غير معروفة." وسأنقل مثالين أوردهما لتشخيص الواقع. فقد ذكر أن تركيا كانت تحتل المرتبة الأولى بين الدول المصدرة إلى العراق عام 2014، لكنها أصبحت اليوم في المرتبة الثالثة، بينما تحتل الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى، والصين المرتبة الثانية. وأضاف أن مدينة جيزرة تقع مقابل سوريا، إلا أن الراغبين في تصدير البضائع منها إلى سوريا يضطرون إلى قطع مسافة 800 كيلومتر، لأن معبر نصيبين الحدودي، الذي يبعد نحو 200 كيلومتر فقط، لا يزال مغلقًا منذ 13 عامًا.
من جانبه، أوضح الاقتصادي إيرول قاتيرجي أوغلو، في عرضه حول التفاوتات الإقليمية، أن الفجوة بين منطقة جنوب شرق الأناضول وبقية أنحاء تركيا كانت تتجه إلى التراجع حتى عام 2013، لكنها انقلبت رأسًا على عقب بعد ذلك التاريخ. وأشار إلى أنه إذا كان الفرد في إسطنبول يحقق دخلًا سنويًا يبلغ 10 آلاف دولار، فإن متوسط دخل الفرد في المنطقة لا يتجاوز 3 آلاف دولار.
"القطاع الخاص يمكن أن يكون جسرًا"
وشهد الاجتماع أيضًا عرضًا قدمه الدكتور ديرك يان أومتزيخت، وهو خبير معروف عالميًا في اقتصاد النزاعات، سبق له أن اضطلع بأدوار في مناطق نزاع مثل السودان وأفغانستان وليبيا، ويشغل حاليًا منصبًا في بعثة الأمم المتحدة الخاصة إلى اليمن. واستعرض أمثلة من مختلف أنحاء العالم ليوضح أن عمليات السلام تُبنى عادة على محاور الأمن والسياسة والقانون، لكنها تظل ناقصة ما لم تستند إلى مسار اقتصادي. وقال: "يجب أن يكون المنطق الاقتصادي في صلب أي مسعى جاد لتحقيق السلام."
ولفتت أمثلة مستشار الأمم المتحدة إلى نقطتين مشتركتين. فقد أوضح أومتزيخت أن الاقتصاد يمكن أن يُستخدم أيضًا كسلاح، لكنه أضاف: "الأبعاد الاقتصادية يمكن أن تخلق أيضًا فرصًا جديدة للحوار." كما أشار إلى أن القطاع الخاص أدى، في العديد من التجارب، دور الجسر بين الأطراف.
وبالحديث عن القطاع الخاص، تجدر الإشارة إلى أن رئيس غرفة تجارة وصناعة أربيل، غيلان حاجي سعيد، الذي تحدث باسم غرف التجارة والصناعة الأربع في إقليم كردستان العراق، أكد أنهم مستعدون للإنتاج المشترك، وقال: "نحن مستعدون لتحمل المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقنا." كما تقدم المشاركون القادمون من إقليم كردستان العراق بمقترح لتأسيس هيئات مظلة مشتركة مع غرف التجارة والصناعة في تركيا.
في جيزرة، كان الدافع هو التركيز على فرص الخمسين عامًا المقبلة بدلًا من الانشغال بالخمسين عامًا الماضية. فهناك نوافذ فرص تتمثل في مشروع طريق التنمية، وعملية إعادة إعمار سوريا، وتنامي العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج، وظهور ممرات جديدة للطاقة، وبدء تشكل مراكز لوجستية جديدة. وإذا جرى استثمار هذه الفرص في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة، فإن المنطقة، داخليًا وخارجيًا، يمكن أن تصبح مركزًا ليس فقط لغياب الصراع، بل أيضًا للتنمية المشتركة. فالسلام لا يصبح أمرًا لا غنى عنه ولا رجعة فيه بمجرد صمت السلاح، بل أيضًا بفتح الطرق، والمعابر، والأسواق، وآفاق الأمل.


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>