قدير أوستون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
كانت نخب السياسة الخارجية الأمريكية، على مدى سنوات طويلة، تشتكي من “المتطفلين” الذين استفادوا من استقرار النظام الدولي. ووفقًا لهذا الطرح، فإن الولايات المتحدة دأبت على ضمان استقرار النظام الدولي عبر إبقاء طرق التجارة العالمية مفتوحة والحفاظ على استقرار أسعار الطاقة. وفي المقابل، استفاد حلفاء أمريكا ومنافسوها وخصومها من مزايا هذا النظام وطوّروا اقتصاداتهم، لكنهم لم يتحملوا المخاطر التي تتحملها الولايات المتحدة. وقد تجلّى هذا النهج خلال فترة بوش في مطالبة حلفاء أمريكا بتقديم مساهمات أكبر في أفغانستان والعراق، وتحمل مسؤوليات أكبر في سياق الأمن الدولي ومكافحة الإرهاب. أما مشكلة “المتطفلين” التي كان بوش يطرحها غالبًا خلف الأبواب المغلقة، فقد أعاد أوباما طرحها علنًا في مقابلته الشهيرة مع مجلة “أتلانتيك” قرب نهاية ولايته الرئاسية.
إن الشكاوى المماثلة التي يوجهها ترامب ضد حلفائه في الناتو عادت إلى الواجهة اليوم في سياق إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران. إذ يرى ترامب أن إبقاء هرمز مفتوحًا ليس مسألة أمريكية فقط، ويعبر عن توقعه لمساهمة دول أخرى، مستخدمًا صراحة أطروحة “المتطفلين”. إن تعطل النظام الدولي الليبرالي الذي أسسته الولايات المتحدة وقادته لسنوات طويلة، أدى إلى تكثيف محاولات واشنطن تحميل تكاليف هذا النظام للآخرين. إلى درجة أن إدارة ترامب تشتكي من “المتطفلين” حتى في مسألة حل أزمة هرمز الناتجة عن الحرب التي خاضتها مع إسرائيل ضد إيران. وبهذا الموقف، تطالب الولايات المتحدة عمليًا بتجاهل حقيقة أنها، أثناء تحملها تكاليف النظام الدولي، تحتفظ بامتياز كونها القوة الحاسمة فيه.
تقاسم الأعباء
إن الحجة التي برزت مع ضغط إدارة ترامب على حلفائها في الناتو تحت شعار تقاسم الأعباء، والتي تقول بضرورة توزيع أعباء النظام الدولي بشكل أكثر عدالة بين الحلفاء، ليست جديدة. فقد وجّه بوش، في إطار أجندة “الحرب على الإرهاب”، إنذارًا إلى العالم قبل غزو أفغانستان قائلاً: “إما أن تكونوا معنا أو ضدنا”. ولم يقتصر هذا النهج على طلب الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة، بل شكّل أيضًا اختبارًا للولاء السياسي. وعلى الرغم من انزعاج إدارة بوش من قيام دول “تحالف الراغبين” وحلفاء الناتو بجعل عدد الجنود موضوع مساومة وفرض قيود على مهامهم العسكرية، فإنها لم تطرح ذلك باستخدام خطاب “المتطفلين”.
بالنسبة لبوش، كانت قيادة الولايات المتحدة وكونها القوة الأولى نتيجة طبيعية لكونها قوة عظمى، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الشكوى كثيرًا. فقد كان يرى الفارق في القدرات بينها وبين حلفائها أمرًا طبيعيًا، ولم يستخدم خطاب “المتطفلين” حين طالب أوروبا بمساهمة أكبر في إعادة إعمار العراق أو عندما شجع الناتو على تنفيذ عمليات خارج أوروبا. وكانت إدارة بوش، التي تحدد سياساتها باعتبارها قوة عظمى مستقلة عن سياسات الحلفاء أو الخصوم، تستخدم خطاب تقاسم الأعباء في سياق إيجابي.
رد فعل أوباما
خاصة بعد أزمة 2008 الاقتصادية والصدمة التي خلّفتها حرب العراق، برزت أمامنا الولايات المتحدة وهي تشتكي من ثقل أعباء النظام الدولي. فقد انتقد أوباما حلفاء الناتو لعدم استثمارهم بما يكفي في أمنهم واعتمادهم المفرط على الولايات المتحدة. ولم يقتصر أوباما على التركيز على التكاليف وتقاسم الأعباء، بل تحدث عن بُعد آخر من “التطفل”. فقد اشتكى، خصوصًا في الشرق الأوسط، من أن دول المنطقة تحاول حل مشكلاتها في السياسة الخارجية عبر تدخل الولايات المتحدة. وقد تدخّل أوباما في ليبيا تحت ضغط جامعة الدول العربية وبعد عجز فرنسا عن إدارة العملية العسكرية، وكان منزعجًا جدًا من أن إسقاط النظام استغرق سبعة أشهر. كما رفض التدخل في سوريا، وواجه ضغوط إسرائيل والسعودية للدخول في حرب مع إيران، معتبراً أن الحلفاء يحمّلون الولايات المتحدة تكاليف عبر دفعها إلى مثل هذه الانخراطات. ودافع أوباما عن ضرورة أن تعتمد دول المنطقة على نفسها، وأن التوازن الإقليمي الجديد سيكون أكثر صحة، ساعيًا إلى خلق معادلة لا يمكن فيها للحلفاء التلاعب بالقرارات الأمريكية.
موقف ترامب الاتهامي
أما ترامب، فقد جادل بأن الولايات المتحدة، رغم تحملها أعباء النظام العالمي، لا تستفيد من مزاياه بما يكفي، بل أصبحت قوة يُخدعها حلفاؤها. واعتبر أن “المتطفلين” يعاملون أمريكا كأنها ساذجة ويحصلون على ما يريدونه من مساعدات، وأنهم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم. وفي أزمة هرمز، يرى ترامب أن الولايات المتحدة حققت استقلالها في مجال الطاقة، وأن تأمين مرور النفط هو في الواقع شأن يخص قوى مثل أوروبا والصين، ولذلك يطالب بمساعدتها. وإدراكًا منه أن الولايات المتحدة لا تستطيع فتح هرمز بمفردها، وأن محاولة ذلك ستكلفها كثيرًا، يدعو ترامب الآن “متطفلي” النظام الدولي إلى تحمل المسؤولية. وبالطبع، فإن كون ترامب هو من بدأ هذه الحرب وبالتالي المسؤول المباشر عن أزمة هرمز، لا يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لأطروحة “المتطفلين”، إذ يُنظر إلى إغلاق هرمز على أنه وضع يمكن للولايات المتحدة تحمّله بدرجة أكبر.
لقد انعكست شكوى راسخة منذ سنوات في واشنطن، يمكن تلخيصها بعبارة “نحن نحمي أمن مصادر النفط في الشرق الأوسط، لكن الصين هي المستفيد الأكبر”، في تصريحات ترامب ضمن سياق أزمة هرمز. وبطبيعة الحال، فإن تحديد أسعار النفط في الأسواق العالمية يرفع أيضًا تكاليف الطاقة على الولايات المتحدة، لكن ترامب يعتقد أنه لن يواجه مشكلة كبيرة من ناحية الإمدادات. كما أن تفعيل الاحتياطيات الطارئة العالمية يساعد في إبقاء سعر البرميل فوق مستوى 100 دولار بقليل. ولذلك، لا يرى ترامب أن التدخل الفوري لفتح هرمز أمام الملاحة الدولية، وتحمل تكاليف كبيرة، يمثل ضرورة عاجلة. وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط قد يدفع شعبية الحرب إلى أدنى مستوياتها في الرأي العام الأمريكي، فإن ترامب يعتقد أن هذا الوضع قابل للاستمرار على المدى القصير والمتوسط.
يمكن تلخيص امتحان الولايات المتحدة مع “المتطفلين” في ثلاث مراحل: مطالبة بوش بمساهمات أكبر، وأطروحة أوباما حول تقاسم الأعباء ورد فعله على التدخلات الخارجية، وأخيرًا موقف ترامب الحاد الذي يستهدف النظام الدولي مباشرة. ومن الممكن القول إن الولايات المتحدة بلورت استياءها من تكاليف مزايا قيادتها للنظام العالمي، ومن استفادة خصومها مثل الصين من النظام الليبرالي، عبر نقاش “التطفل”. كما يبدو من المرجح أن إدارة ترامب، التي لا تبدو وكأنها وضعت خطة واضحة لما ستفعله في حال إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، قد تكون اعتقدت أنها لن تتأثر كثيرًا بمثل هذا السيناريو. فباعتبارها مُصدّرًا صافيًا للطاقة، ربما فكرت الولايات المتحدة أيضًا في تحقيق أرباح من بيع النفط والغاز بأسعار مرتفعة في مثل هذا الوضع. ويُظهر هذا المشهد أن الولايات المتحدة فقدت إلى حد كبير قلقها بشأن الحفاظ على استقرار النظام العالمي، وأنها تحسب أن عدم الاستقرار الدولي سيلحق ضررًا أكبر بـ“المتطفلين”.