أخر الأخبار
عاجل

رمضان في تركيا.. أجواء ممزوجة بين العبادة والحنين للوطن للمغتربين العرب

ترك برس

رمضان في تركيا.. أجواء ممزوجة بين العبادة والحنين للوطن للمغتربين العرب

  • منذ 14 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ترك برس
مع اقتراب أذان المغرب في شهر رمضان، يعيش آلاف المغتربين العرب في تركيا تجربة فريدة تمزج بين الروحانية والحنين للوطن. من موائد الإفطار الجماعية إلى صلاة التراويح وقيام الليل، تعكس هذه الأجواء الرمضانية محاولتهم لإعادة خلق ذكريات الطفولة والطقوس الدينية وسط غربة البلاد، بما يمنحهم شعوراً بالألفة والتواصل الاجتماعي والديني.
في تركيا يعيد رمضان ترتيب هذه المسافة، فسرعان ما يجد المغتربون العرب أنفسهم داخل مشهد ديني مألوف، وتتقاطع الطقوس وتتشابه الإيقاعات وتستعيد الروح بعض ما فقدته.
ومع دخول العشر الأواخر تتكثف هذه التجربة في ذروتها مع ليلة القدر، التي تتحول إلى لحظة جامعة بين الإيمان والحنين. في تلك الليلة تتحول المساجد إلى فضاءات واسعة تحتضن آلاف المصلين تمتد صفوفهم إلى الساحات، وتختلط فيها لغات ولهجات متعددة على دعاء واحد.
فتعيد الجاليات العربية إنتاج طقوسها الخاصة من قيام الليل وتلاوة القرآن إلى تجمعات السحور التي تحمل نكهة البيوت البعيدة، لكنها تتشكل هذه المرة في سياق جديد. ويمكن القول إن العرب في تركيا يحيون ليلة القدر لاستعادة الذات في الغربة، ويعتبرونها مناسبة لإعادة وصل ما انقطع مع الذاكرة، بحسب تقرير لـ "الجزيرة نت".
الجالية العربية في تركيا
تركيا موطن لملايين من أبناء الجاليات العربية من جنسيات متعددة، إذ تشير إحصائيات عام 2025 إلى أن عدد اللاجئين والمقيمين العرب في تركيا يقدر بحدود 2.5 إلى 3 ملايين شخص، أغلبهم من سوريا والعراق وفلسطين.
ورغم التقارب الثقافي والعادات الرمضانية المشتركة بين الأتراك والعرب، يحرص القادمون العرب على نقل عاداتهم الخاصة بشهر رمضان إلى مهجرهم. فقد انتشرت في مدن تركية عدة متاجر ومطاعم عربية تقدم المأكولات والحلويات التقليدية التي يقبل عليها الصائمون في رمضان.
وتشهد الأسواق التي تضم منتجات عربية رواجا خاصا في هذا الشهر، إذ يبحث المغتربون عن أجواء ونكهات تذكرهم ببلدانهم.
ومع دخول العشر الأواخر من رمضان يزداد إقبال العرب على إحياء الليالي المباركة تماما كما اعتادوا في أوطانهم، إذ يعتكف العديد في المساجد للتفرغ للعبادة وتحري ليلة القدر. وقد خصصت رئاسة الشؤون الدينية التركية أكثر من ألف مسجد في مختلف أنحاء البلاد لإقامة الاعتكاف.
في إسطنبول وغيرها، تتوافد جموع غفيرة من المصلين إلى المساجد خاصة ليلة 27 من رمضان. تمتد الصلوات والنشاطات طوال الليل بعد الإفطار وصلاة العشاء والتراويح، ويستمر القيام وتلاوة القرآن والأدعية حتى وقت السحور والفجر.
ذه الأجواء الرمضانية المليئة بالمشاركة والإيمان تمنح المغتربين شعورا بالألفة والتعويض عن افتقاد الأهل والوطن، ويقول كثير من أبناء الجالية إن تلك الأجواء الرائعة تعوضهم جزئيا عما فقدوه بغيابهم عن بلادهم.
ليلة القدر في أنقرة
في العاصمة أنقرة، اختار المهندس الفلسطيني حسن القطراوي أن يقضي ليلة القدر هذا العام داخل مسجد "ساهراي جديد"، حيث يتكثف حضور الجالية العربية في مثل هذه الليالي. كان اختياره للمكان مدفوعا برغبة في البحث عن إحساس بالألفة وسط وجوه تتشارك اللغة والذاكرة والعادات.
ويقول القطراوي للجزيرة نت "في هذه الليلة المباركة شعرت بأنني وسط عائلتي الكبيرة رغم بعدي عن وطني. اخترت المسجد لأن الكثير من المصلين هنا من العرب، تجمع بينهم لغة القرآن والدعاء، فشعرت بأن الأجواء مألوفة والدعوات مفهومة والقلوب متصلة".
داخل المسجد، كان المشهد مكتملا: صفوف ممتدة من المصلين، رجال ونساء وأطفال، ازدحام لا يضيق به المكان بقدر ما يتسع له شعورا.
ويستعيد القطراوي لحظة الدعاء في ختام الصلاة بوصفها ذروة التجربة، إذ اختلطت أصوات التضرع بذكريات بعيدة، ويقول "تأثرت كثيرا بدعاء القنوت، كان يشبه ما كنا نسمعه في مساجد فلسطين، نفس النبرة، نفس الرجاء".
لكن هذه الألفة رغم عمقها لم تُلغِ شعور الغياب، فيختتم حديثه قائلا "رغم الغربة شعرت بسلام داخلي كأن روحانية رمضان جمعتنا جميعا على قلب واحد. لكنها في الوقت نفسه أعادت إلي ذكريات القيام في مساجد غزة، تلك التي لا يمكن لأي مكان أن يعوضها".
ويخالفه في ذلك محمد حسين، وهو فلسطيني يقيم في تركيا منذ أكثر من 10 أعوام. فيقول إن تجربة رمضان في الغربة تبقى مختلفة، وأقل امتلاء بالروحانية التي اعتادها في بلده.
ويضيف في حديثه للجزيرة نت "نعيش رمضان، لكن أحيانا دون ذلك الشعور العميق بالسكينة الذي كنا نعرفه. هناك أسباب كثيرة أولها البعد عن الأهل والأحباب وعن المكان نفسه بكل تفاصيله، الناس والشوارع والسهرات بعد الإفطار، الجلسات التي تمتد حتى السحور".
ويرى حسين أن نمط الحياة اليومية يلعب دورا أساسيا في هذا الشعور، موضحا أن وتيرة العمل لا تتغير كثيرا خلال الشهر، وأن ما يحد من القدرة على التفرغ للعبادة كما ينبغي "طبيعة العمل هنا تبقى كما هي تقريبا، ساعات طويلة لا تراعي خصوصية الشهر فتقضي يومك في العمل ثم تعود لتفطر بسرعة وتصلي ما تيسر، قبل أن تنام استعدادا ليوم جديد. هذا يحد من الإحساس الكامل بروح رمضان".
ورغم ذلك، يؤكد أن ليلة القدر تبقى استثناء نسبيا في هذا السياق، إذ يحاول كثير من المغتربين تعويض ما فاتهم، ويقول "نحاول أن نحيي ليلة القدر قدر الإمكان، فهي فرصة لرؤية الأصدقاء واستعادة شيء من الأجواء التي نفتقدها. لكنها أيضا تبقى مختلفة لأن التزامات العمل لا تتوقف عند الجميع، حتى في هذه الليلة".
ليلة 27 في إسطنبول
وفي إسطنبول تتقاطع حكايات المغتربين وتتشكل جاليات عربية واسعة، فقد اختار رجل الأعمال العراقي طاهر سمون أن يقضي ليلة 27 من رمضان في أحد مساجد منطقة كايا شهير، المعروفة بكثافة الحضور العربي فيها.
يقول سمون "لم أكن أعرف تماما كيف سأمضي هذه الليلة بعيدا عن العراق، لكن أجواء المسجد والتراويح مع الإخوة العرب شجعتني على البقاء حتى الفجر. شعرت بروحانية عالية وكأنني في بلدي وبين أهلي".
داخل المسجد بدا المشهد أشبه بلوحة إنسانية واسعة. المصلون يصطفون في هدوء تتردد بينهم آيات القرآن وتنساب الأصوات في تناغم يختصر اختلاف اللغات واللهجات. لم يكن الحضور عربيا فقط، بل امتد ليشمل أتراكا وجنسيات أخرى في صورة تختفي فيها الفوارق أمام لحظة إيمانية جامعة.
ويضيف "الجميع هنا يبادلك التهنئة والدعاء بمجرد أن يعرفوا أنك بعيد عن أهلك. هذه الأخوة في الله لا نجدها بسهولة خارج أجواء رمضان".
مع تقدم الليل، يتحول المسجد إلى فضاء مفتوح للعبادة واللقاء معا؛ أطفال يرافقون عائلاتهم ومصلون يتناوبون بين الصلاة والدعاء وآخرون يوزعون التمر والحلوى بعد انتهاء الركعات. وعند لحظة الدعاء الجماعي، ارتفعت الأيدي في وقت واحد، وتوحدت الأصوات في رجاء واحد فكانت لحظة كثيفة اختزلت معنى الليلة.
يصف سمون تلك اللحظة قائلا "لم أشعر بأي اختلاف بين عربي وتركي في تلك الليلة، كنا جميعا سواسية نسجد ونبتهل إلى الله، وهو ما يثبت أن رمضان يوحد القلوب مهما اختلفت الجنسيات".
ومع انبلاج الفجر، انفض الجمع على وقع سلامات متبادلة ووجوه مطمئنة. خرج سمون من المسجد وهو يحمل إحساسا مختلفا عن الغربة التي دخل بها، مؤكدا أن تلك الليلة بكل ما حملته من روحانية وألفة، عوضته عن غياب أهله وستبقى واحدة من أكثر ذكرياته حضورا.
ومن أنقرة إلى إسطنبول تكشف قصص حسن ومحمد وطاهر جانبا من حكاية أكبر يعيشها آلاف المغتربين العرب في تركيا أثناء رمضان، فرغم اختلاف البلدان التي جاؤوا منها تجمعهم في الغربة طقوس ومشاعر واحدة في الشهر الفضيل.
عبر موائد الإفطار المشتركة وصلوات التراويح والتهجد جماعة في المساجد ومشاركة الذكريات والأدعية، نجح هؤلاء في خلق وطن رمضاني بديل يحتضنهم ويخفف عنهم لوعة البعد.


عرض مصدر الخبر



>