ويعد الخليج "حوضًا شبه مغلق" وضحلاً نسبيًا (بعمق 35-50 مترًا فقط)، وهي خاصية تجعله بيئة شديدة الحساسية، فأي تلوث يحدث هناك لا يتبدد بسرعة، بل يظل محبوسًا لسنوات طويلة.
وهنا يكمن الخطر الأكبر من السفن الحربية والتجارية التي غرقت خلال نزاعات دامية، خاصة الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج، حيث يضم العراق وحده نحو 141 حطام سفينة في شط العرب ومصباته.
لا تقتصر خطورة هذه الحطام على كونها مجرد هياكل صدئة؛ بل هي مخازن حقيقية للسموم، فتحتوي هذه السفن على آلاف الأطنان من الوقود الأحفوري، التي تتسرب مع تآكل الهياكل، مهددة نمو وتكاثر الكائنات البحرية.
الأخطر من ذلك هو تسرب المعادن الثقيلة السامة مثل الزئبق والرصاص والنحاس من هياكلها وطلائها، هذه المواد لا تتحلل بيولوجيًا، بل تتراكم في السلسلة الغذائية، بدءًا من العوالق وصولًا إلى الأسماك التي تصل في النهاية إلى طعام الإنسان، مما يهدد الصحة العامة.
كما كشفت دراسات حديثة عن مستويات مرتفعة من النحاس والنيكل في مياه الخليج، تتجاوز في بعض المناطق حدود الخطر البيئي، خاصة بالقرب من ممرات الشحن والحطام.
تهديد "ثلاثي" للأسماك والمرجان ومياه الشرب
التهديد لا يتوقف عند التسمم الكيميائي، فتحلل هياكل السفن الحديدية يزيد من نسبة الحديد في الماء، وهو عنصر يغذي العوالق النباتية بشكل مفرط.
ويؤدي ذلك إلى ظاهرة "الازدهار الطحلبي" الذي يستهلك الأكسجين في الماء، مما يخنق الشعاب المرجانية ويتسبب في نفوق الأسماك.
وتشير التقديرات إلى أن 85% من الشعاب المرجانية في الخليج مهددة، ويعد التلوث الناجم عن حطام السفن والأنشطة النفطية عاملًا رئيسيًا في تدمير هذا الموطن الحيوي.
الخطر الأكبر يهدد البشر أنفسهم بشكل مباشر، حيث تعتمد دول الخليج بشكل شبه كامل على مياه البحر في تحلية المياه، لتوفير الشرب لسكانها، وأي تسرب كيميائي كبير من هذه الحطام يمكن أن يلوث مصادر المياه، مما يهدد الأمن المائي للمنطقة بأكملها.
لا يقتصر التهديد على الخليج فحسب، بل يمتد تأثيره عبر مضيق هرمز إلى بحر العرب، وفي السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة حوادث غرق لسفن تجارية ضخمة تحمل مواد خطرة، مثل سفينة "إم إس سي إلسا 3" (2025) قبالة سواحل الهند، والتي تسببت في تلوث السلسلة الغذائية بالمعادن الثقيلة، وسفينة "روبيمار" (2024) التي غرقت في خليج عدن وهي تحمل آلاف الأطنان من الأسمدة، مما أثار مخاوف من حدوث انفجار طحلبي هائل.
كما أن هذه الملوثات تهدد ظاهرة "البحار اللبنية" النادرة التي تحدث في بحر العرب، حيث تتوهج المياه ليلاً بفعل بكتيريا مضيئة حساسة لأي تغير كيميائي.
عوامل مساعدة: التآكل والمناخ
مع مرور الوقت، تتفاقم المشكلة، فالتآكل المستمر للهياكل يفتح مساحات مغلقة كانت تحتوي على ملوثات محبوسة، كما أن التغير المناخي، بارتفاع حرارة البحار وتحمضها، يسرع من عملية تآكل المعادن وتحلل السفن، ما يزيد من معدلات التسرب.
وتظهر الأبحاث أن هذه المواد الكيميائية تغير من نوعية الميكروبات التي تعيش حول الحطام، ما يؤثر على التنوع البيولوجي الطبيعي لقاع البحر.